أهمية الإيمان

إن أفضل الأعمال عند الله وأزكاها هو الإيمان؛ لما رَوى أبو ذر رضى الله عنه من سؤاله لرسول الله ﷺ بقوله " يارسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال ﷺ: الإيمان بالله والجهاد في سبيله" (رواه مسلم) وهو سبب للهداية والسعادة الدنيوية والأخروية، لقوله جل وعز{فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125] والإيمان صارف للمؤمن عن المعصية، لقوله جل وعز{ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] الإيمان شَرط لقبول العمل، قال الله تعالى{ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] ،فالإيمان الخَالِص يُبارك الله به العمل، ويتقبل به الدعوات.



بلاغ عام





‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص رواها النبي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصص رواها النبي. إظهار كافة الرسائل
Image

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (6)



قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (6)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

القصة السادسة والعشرون
المسيح الدجال

عن أنس رضي الله عنه قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب .. ألا إنّه أعور ، وإن ربكم عز وجل ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه : " ك . ف . ر" متفق عليه .
بهذا بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثه عن المسيح الدجال .
فقال له أصحابه : يا رسول الله ؛ أكثرْتَ الحديث عنه ، فخفنا ، حتى ظنناه قريباً منا ، وكأنه سيطلع علينا بعد قليل من ناحية هذا النخيل .
قال صلى الله عليه وسلم : غيرَ الدجال أخوفني عليكم ، إذا خرج فيكم فأنا حجيجه دونكم – أكفيكم مؤونته - ، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤٌ حجيجُ نفسه – فكل منكم مسؤول عن نفسه - ، والله خليفتي على كل مسلم .
قالوا : يا رسول الله صفه لنا .
قال : إنه شاب شديد جعود الشعر ، عينه اليمنى بارزة ناتئة كأنها عَنَبةٌ ، قد ذهب نورُها ، أعور ، يدّعي الألوهية ، مكتوب على جبينه : كافر ... يرى المؤمن ذلك واضحاً .
قالوا : فمن أين يخرج يا رسول الله ؟.
قال : يخرج من طريق بين الشام والعراق ، فيعيث فساداً في الأرض أينما ذهب .
قالوا : فما لبثه في الأرض ؟ - كم يبقى في الأرض –
قال : أربعون يوماً : يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم .
قالوا : يا رسول الله ؛ فذلك اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ - فالصلاة للمسلم كالماء للحي ، لا يعيش دونها .
قال : لا : اقدروا له قدْرَه ... - فلا بد من تقسيم الوقت في هذا اليوم ، وكأنه سنة - .
قالوا : فمن يتبعه ؛ يا رسول الله ؟ .
قال : يتبع الدجالَ - من يهود أصفهان – سبعون ألفاً عليهم الطيالسة " ثياب اليهود المزركش بالأخضر " .
قالوا : يا رسول الله ؛ كيف سرعته في الأرض ؟.
قال : كالغيث استدبرته الريح – إسراع المطر الذي تسوقه الريح بشدة ، فيصل إلى كل بقاع الأرض - .
قالوا : أيدخل كل البلاد ويفسدها؟! .
قال : ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال ، إلا مكة والمدينة ، تحول الملائكة بينه وبينهما صافـّين يحرسونهما . فإن وصل المدينة نزل بالسبخة القريبة منها ، فترجف المدينة ثلاث رجَفات ، يُخرج الله منها كل كافر ومنافق .
قالوا : فماذا نفعل ، إن ظهر ونحن أحياء ؟
قال : انفروا في الجبال ، ولا تقفوا في طريقه ، فما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمرٌ أكبر من الدجال ، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف .
قالوا : فما الذي يفعله ؟!
قال : يأتي على القوم ، فيؤمنون به ، ويستجيبون له . فيأمر السماء ، فتمطر، والأرضَ فتنبت، وتعود عليهم إبلهم وبقرهم وأغنامهم ضخمة الأجسام ، ممتدة في الطول والعرض سِمَناً ، ويكثر لبنُها . – وهذا استدراج كبير نسأل الله الثبات على دينه - .
ويمر بالخِربة التي هجرها أهلها منذ غابر الأزمان ، فيقول لها : أخرجي كنوزك ، فتتبعه كنوزها كذكور النحل المجتمعة ، فيزداد أتباعُه به ضلالاً .
ويأتي على القوم ، فيدعوهم ، فيردون عليه قوله ، ويثبتهم الله على الإيمان ، فينصرف الدجال عنهم ، فيصبحون ممحلين ، ينقطع الغيث عنهم ، وتيبس الأرض والكلأ ، ليس في أيديهم شيء من أموالهم ولا أنعامهم ، نسأل الله أن يثبتهم على دينهم .
قالوا : يا رسول الله ؛ أمعه شيء غير هذا ؟.
قال : نعم .... فمن ذلك أن الدجال يخرج ومعه ماء ونار . فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق ، وأما الذي يراه الناس ناراً فماء بارد وعذب . فمن أدركه منكم فلْيقعْ في الذي يراه ناراً ، فإنه ماء عذب طيب .
قالوا : يا رسول الله ؛ أفلا نحاجه ، ونكذّبه ؟ .
قال : لا يظنّنّ أحدكم أنه قادر على ذلك . فإذا ذهب إليه فتنه ، فتبعه ، فضلّ وكفر .
قالوا : فمن أعظم شهادة عند رب العالمين إذ ذاك ؟.
قال : يتوجه إليه رجل من المؤمنين ، فيتلقّاه مقدّمة جنود الدجال ... فيقولون له : إلى أين تذهب أيها الرجل ؟ فيقول : أعمد إلى هذا الرجل الذي يزعم أنه إله ... فيتعجبون من جوابه ، ويسألونه : أوَ ما تؤمن بربنا ؟! فيقول : هذا ليس رباً ، إنما ربكم الذي خلق السموات والأرض ، وما هذا إلا مارق كافر .
فيثورون فيه ، ويتنادَون لقتله ، ويهمّون بذلك ، لولا أن كبيرهم يذكّرهم أن الدجال أمرهم أن لا يقتلوا أحداً حتى يُعلموه بذلك . فيقيّدونه وينطلقون به إلى الدجال .
فإذا رآه المؤمن صاح بأعلى صوته : أيها الناس ؛ لا يغرنكم هذا الشيطان ، فإنه أفـّاك دجال ، يدّعي ما ليس له ، هذا الذي حذركم منه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فيشتد غضب الدجال ، ويأمر زبانيته ، فيوثقونه مشبوحاً ، ويوسعون ظهره وبطنه ضرباً . فيقول الدجال مغضباً آمراً رجاله أن يُؤذوه ويشجوه ، فيزداد الرجل المؤمن إيماناً .
حينذاك يأمر الدجال رجاله أن ينشروه بالمنشار من رأسه إلى أن يفرق بين رجليه ، فيفعلون ، ويُبعدون القسمين أحدهما عن الآخر ... فيمشي الدجال بينهما مستعرضاً ألوهيته ، فيخر الناس ساجدين له ـ فينتشي عظمة وخُيلاء .
ثم يقول له : قم .. فيقترب النصفان ، فيلتحمان ، فيعود الرجل حياً ، فيقول له الدجال : أتؤمن بي إلهاً ؟ . فيتهلل وجه المؤمن قائلاً : ما ازددت فيك إلا بصيرة ، وقد حدثنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنك ستفعل بي ذلك .
ينادي الرجل بأعلى صوته : انتبهوا أيها الناس ، إنه لن يستطيع أن يفعل بعدي بأحد من الناس شيئاً ، لقد بطل سحره ، وعاد رجلاً مسلوب الإرادة كما كان . فيأخذه الدجال ليذبحه ، فلا يستطيع إليه سبيلاً ، لأن الله تعالى جعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاساً ، فيأخذ الدجال بيديه ورجليه فيقذف به . فيحسب الناس أنما قذفه إلى النار ، وإنما ألقي في الجنة .
فهذا أعظم شهادة عند رب العالمين .
قالوا : يا رسول الله ؛ كيف ينقذنا الله من فتنة الدجال ؟
قال : في هذه اللحظة – حين يبلغ السيل الزبى – يرسل الله أخي عيسى ، ليكون السهم الذي يصمّ به عدوّ الله وعدوّكم .
قالوا : وأين يكون عيسى عليه السلام ، يا رسول الله ؟.
قال : إنه في السماء ، رفعه الله تعالى إليه حين مكر اليهود به ، وأرادوا قتله . ورعاه هناك ليعود إلى الأرض في الوقت الذي قدّره الله تعالى ، وللأمر الذي يريده سبحانه .
قالوا : صفه لنا ، يا رسول الله ؟ .
قال : ينزل عند المنارة البيضاء ، شرقيّ دمشق ، يلبس ثوبين جميلين ، واضعاً كفيه على أجنحة ملكين ، إذا طأطأ رأسه انحدر منه ماء الوضوء ، وإذا رفع رأسه انحدر منه قطرات الماء كأنها اللؤلؤ الصافي . فلا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا أن يموت ،وينتهي نفَسُه إلى حيث ينتهي طَرْفُه.
قالوا : أليس في ذلك الوقت جماعة للمسلمين ؟.
قال : بلى ، إنه المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بعد أن مُلئت جَوراً وظلماً . ينصر الله المسلمين على يديه ، إنه من آل بيتي ، من ولد الحسن بن علي ، وهو الذي يفتح روما عاصمة الروم " الإيطاليين " ، يبيد جيوش أوربة الكافرة .
قالوا : ولم يجتاح الدجال البلاد ، والمسلمون أقوياء إذ ذاك ؟! .
قال : ألم أقل لكم : إنها الفتنة الكبرى ، حيث يرتد كثير من المسلمين على يد المسيح الدجال .
قالوا : وأين يكون المهدي ؛ يا رسول الله ؟
قال : في القدس يحاصره الدجال ، ويحاول اقتحامها ليجعلها عاصمته الأبدية ، عاصمة اليهود ودجالهم . والمهدي وجنوده يدافعون عنها ، ويقاتلون ما وسعهم القتال .
قالوا : وماذا يفعل المسيح عليه السلام حين ينزل في دمشق ؟.
قال : ينطلق إلى القدس ، فيدخلها ، فيتعرف المهديّ عليه والمسلمون ، ويفرحون لنزوله ، فيستلم قيادة المسلمين ، ويهاجم الدجال .
قالوا: فماذا يفعل الدجال حين يسمع بعيسى عليه السلام قادماً ؟.
قال : يفر من بين يديه إلى اللد ؛ وهي مدينة في فلسطين ، قريبة من القدس ، لكنّ عيسى عليه السلام يتبعه ، ويطعنه برمحه ، فيذوب بين يديه كما يذوب الملح في الماء ... ويرفع الله الهمّ والغمّ عن المسلمين ، ويحدثهم عيسى رسول الله بدرجاتهم في الجنة ، ويمسح عن وجوههم بيده الشريفة ، فما في الدنيا إذ ذاك أعظم سعادة منهم .

رواه مسلم
رياض الصالحين ، باب المنثورات والمُلح
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة السابعة والعشرون
عيسى عليه السلام ويأجوج ومأجوج
دكتور عثمان قدري مكانسي

قال الصحابة الكرام لرسولهم الحبيب عليه الصلاة والسلام :
قد حدثتنا ؛ يا رسول الله عن عيسى عليه السلام وقتله الدجال شر قتلة ، فهل يرتاح المسلمون بعد ذلك ؟.
قال : لا؛ إنما يبعث الله تعالى يأجوج ومأجوج – قبيلتين ضخمتي العدد ، يأتون من الشرق يجتاحون بلاد المسلمين . – وقد تبين لمن سافر إلى الصين أن هاتين القبيلتين عماد سكان الصين الذين يبلغون ملياراً ومئتي مليون إنسان ، وهم يتكاثرون بشكل سريع .
قالوا : فماذا يفعل المسلمون بقيادة نبيهم عيسى عليه السلام أمام هذا العدد الهائل من الصينيين ، أبناء يأجوج ومأجوج؟.
قال : يتجهزون لقتالهم ، فيوحي الله تعالى إلى عيسى عليه السلام أنْ لا قِبَل لك بهم . ولا يستطيع أحد أن يقف أمامهم .
فيقول عيسى عليه السلام : فماذا أفعل يا رب ؟
فيقول تعالى : اصعد إلى جبل الطور ، وحرّز عبادي فيه ، فأنتم هناك في مأمن .
قالوا : أوَهم كثيرون إلى هذا الحد المخيف ؛ يا رسول الله ؟.
قال : يبعث الله يأجوج ومأجوج ، وهم من كل حَدَب ينسلون – يسرعون المشي والخروج - ، فيمر أوائلهم على بحيرة " طبرية " – شمال فلسطين على الحدود السورية – فيشربون ما فيها من ماء . ويمر آخرهم ، فيقول : لقد كان مرة بهذه ماء !!
أرأيت كثرتهم ؟ ما لأحد بهم من طاقة .
وتقل المؤن في المسلمين ، وتضيق عليهم الدنيا ، ويلجأون إلى الله تعالى يدعونه ، ويتضرعون إليه ، وهل غيره من مجيب ؟ وهل غيره سبحانه من ملاذ وملجأ ؟! هو سبحانه مفرّج الكروب ، ومُذهب الهمّ.
اللهم أذهبْ عنا ما نحن فيه من الهمّ والغمّ ، ونجّنا برحمتك ، يا أرحم الراحمين .
اللهم ؛ لقد طغَوا وبغَوا ، وجاهروك بالعداوة ، وأذلوا عبادك ، وليس إلا إليك المهرب ، وإلى رحابك العَوذ والملجأ ..... ويُكثر المسلمون الدعاء والرجاء .
قالوا : يا رسول الله ؛ صلى الله عليك وعلى إخوانك الأنبياء ، فماذا يكون ؟.
قال : يرسل الله تعالى الدود في رقابهم فتأكلها ، فيصبحون موتى جميعاً ،
وينزل أحد المسلمين يستطلع أخبارهم ، فيراهم جثثاً هامدة لا حراك فيها ...
وكانوا قد أعلنوا أنهم هزموا أهل الأرض جميعاً ...
وإمعاناً في الكفر والضلال يرمي كبيرهم رمحه أو سهمه في السماء ، فيعود مصبوغاً بالدم ، فيقول : ها نحن قتلنا من في السماء أيضاً ، فلنا كل شيء . ...
ما بهم الآن قد انتشروا جيَفاً قذرة يملأ نتنُها الآفاق ؟!.. ما في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهَمهُم ونتنُهم وخبثُ رائحتهم .
إن الله تعالى الذي قتلهم قادر على تخليص العباد منهم ... ولكن ما على العباد إلا أن يدعوا ، ويرغبوا إلى الله تعالى ، وأن يتضرّعوا إليه سبحانه ... وقد فعل عيسى وأصحابه ذلك .
قالوا : وكيف ينجّيهم الله تعالى من عفن يأجوج ومأجوج وخبث رائحتهم ونتَن أجسادهم الذي ملأ الأرض ؟.
قال : يرسل الله تعالى طيوراً كأعناق البخت " الإبل الخراسانية الضخمة " فتحمل هؤلاء القتلى ، فتطرحهم إلى حيث يشاء الله تعالى .
ثم يرسل الله غيثا غزيراً ، يملأ وديان الأرض لغزارته ، فيغسلها ، حتى يتركها صافية كالمرآة النظيفة .
ينزل المسلمون ، ويسجدون لله شكراً على نعمائه وفضله .
ثم يُقال للأرض : أنبتي ثمرتَك ، وردّي برَكَتك . فيومئذ تأكل الجماعة من الرمانة ، ويستظلون ، بقشرها !! ، ويبارك الله تعالى في ضرع الأنعام ، فتدر الحليب ، حتى إن لبن الناقة الواحدة ليكفي الجماعة من الناس ، واللقحة من البقرة لتكفي القبيلة من الناس ، ولبن الغنمة ليُشبع العشيرة منهم .
قالوا : وكم يلبث عسى عليه السلام في الأرض ؟
قال : سبع سنين ، فيها الحياة رغيدة ، والعدل قائم ، والإيمان وارف الظلال ، ويعيش الناس بعده ما يشاء الله لهم أن يعيشوا في دولة الإسلام وعزتها ، وصفاء العقيدة ، وضيائها .
ثم يرسل الله ريحاً باردة من قِبَل الشام ، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو خير إلا قبضَتْه . حتى لو أن أحدهم كان داخل كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه .
فيبقى شرار الناس في خفة الطير إلى الشر ، وإلى الشهوات والفساد . وفي أحلام السباع إلى العداوة والبغضاء والشحناء ، لا يعرفون معروفاً ، ولا يُنكرون منكراً . ..
على أمثال هؤلاء تقوم الساعة .

رواه مسلم
رياض الصالحين / باب المنثورات والمُلح
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثامنة والعشرون

فَهمها سليمان
دكتور عثمان قدري مكانسي

كانت امرأتان ، معهما ابناهما الرضيعان
جاء الذئب ، فذهب بابن إحداهما .
قالت الكبرى : أكل الذئب ولدك ، وهذا ابني .
قالت الصغرى : بل أكل الذئب ابنك ، وهذا ولدي .
واختصمتا إلى داوود عليه السلام ...
ولعل الكبرى كانت ألحن بحجتها من الصغرى ، فحكم لها داوود بالولد
حملت الكبرى الولد مغتبطة فرحة ،
وانطلقت الصغرى حزينة كئيبة تندب حظها .
رآهما سليمان بن داوود عليه السلام ، فدعاهما ، وسألهما ،
فأخبرتاه بما ادّعت كل منهما ، وبما حكم أبوه .
وكان سليمان ذا نظر ثاقب ، آتاه الله الحكمة ، وعلّمه فصل الخطاب .
فقال في نفسه : إن الذي يحكم في هذه القضية العاطفةُ لا العقلُ.
فلأستثيرَنّ المرأتين ، فمن ظهر منها الحب الأكبرللرضيع حكمت به لها .
قال لهما : كل واحدة تعتقد ان هذا الولد لها ؟
قالتا : نعم .
قال : وتصر أنه ولدها ؟
قالتا : أجل .
قال : إيتوني أيها الرجال بالسكين ، أشقه بينهما .
سكتت الكبرى ..
ونادت الصغرى متلهفة : لا تفعل ذلك – رحمك الله – هو ابنها .
ورضيت الصغرى أن يكون ولدها للكبرى فيعيش ـ وتراه عن بعد .
هذا يسعدها لا شك . وهل ترضى الأمّ أن يُقتل ولدها ؟!
نظر سليمان إليها ، وقال : هو لك ، فخذيه .

متفق عليه
رياض الصالحين / باب المنثورات والملح
 

 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة التاسعة والعشرون
فضائل الصدقة
دكتور عثمان قدري مكانسي

كان يحب الخير ، ويرجوه لغيره ، ويتصدق على الفقراء والمساكين ليدخل في زمرة الشاكرين ... وعلم أن صدقة السر تطفئ غضب الرب ، وأنها تدفع الأذي وتشفي – بإذن الله –
فقال: لأتصدّقنّ سراً .
وفي الليل خرج بصدقته ، يجتهد أن يضعها في يد من يستحقها ، ورأى من بعيد شخصاً يقترب منه ، لم يتبيّنه ،
فقال: هذه بغيتي ، فلما التزمه – التصق به – أعطاه صدقته ، وانطلق إلى بيته يسأل الله تعالى الثواب وحسن الجزاء .
كانت الملائكة تكتب على أبواب الناس في ذلك الزمن ما يفعلون .. وفي الصباح تحدث الناس عن صدقة وقعتْ في يد لص سارق .
قال الرجل : يا رب؛ ما أردتُ السارق ، ولكن أردت من يستحق هذه الصدقة ... لك الحمد أولاً وآخراً فأنت عليم خبير أردتَ بإيصال هذه الصدقة للسارق حكمة لا أدريها .
لأتصدّقنّ ثانية ، فلعل الصدقة تقع في يد من يحتاجها .. وانطلق حين أظلم الليل يجتهد أن يضع صدقته هذه في يد من يستحقها ، فرأى شبحاً يدنو منه ، فقال : لعله هو الذي أبحث عنه ، فدفع إليه صدقته وأسرع إلى بيته لا يراه أحد .
وفي الصباح تحدث الناس عن صدقة وقعت في يد زانية .
قال الرجل : يا رب؛ ما أردت الزانية ، ولكن أردْت من تستره هذه الصدقةُ . لك الحمد أولاً وآخراً أنت الحكيم تفعل ما تشاء .
لأتصدّقنّ ثالثة ، فعسى أن تقع في يد ذي حاجة ، فتسعفه .... وحين أسدل الليل ثوبه الأسود على المدينة انطلق صاحبنا يحمل صدقته ، فرأى ظلاً قابعاً في زاوية ، فقال : لعله فقير . فدفع إليه صدقته ، وتوارى سريعاً إلى داره .
وفي الصباح تحدّث الناس عن صدقة وقعت في يد غني ...
فقال : اللهم لك الحمد على سارق وعلى زانية وعلى غني ! .
فأرسل الله إليه من يقول له :
1- أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعفّ عن سرقته .
2- وأما صدقتك على زانية فلعلها تستعفّ عن زناها .
3- وأما صدقتك على غني فلعله يعتبر ، فينفق مما آتاه الله .

متفق عليه
رياض الصالحين / باب المنثورات والملح
 


 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثلاثون
إسماعيل عليه السلام وأمه هاجر
دكتور عثمان قدري مكانسي

جاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأم إسماعيل وابنها- وهي ترضعه- حتى وضعهما عند الكعبة ، عند ( دوحة فوق زمزم ) في أعلى المسجد ، وليس بمكة يومئذ أحد ، وليس بها ماء ، فوضعهما هناك ، ووضع عندهما جراباً ( وعاء من جلد ) فيه تمر ، وسقاء فيه ماء .
ثم قفـّى إبراهيم عليه السلام منطلقاً .
فتبعته أم إسماعيل ، فقالت : يا إبراهيم ؛ أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ، ولا شيء ؟! قالت له ذلك مراراً وهو لا يلتفت إليها ...
فقالت له : آلله أمرك بهذا ؟
قال : نعم .
قالت ( قول الواثق بربه المؤمن به ) : إذاً لا يضيّعنا .
ثم رجعت ، فانطلق إبراهيم عليه السلام ، حتى إذا كان عند الثنيّة ( منطقة الحجون ) حيث لا يريانه فاستقبل بوجهه البيت ، ثم دعا بهؤلاء الدعوات : " ربّ ؛ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم .. " حتى بلغ " يشكرون "
وجعلت أم إسماعيل تشرب من ذلك الماء ، ويدر لبنها على صبيّها ، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت ، وعطش ولدها ، وجعلت تنظر إليه يتلوّى ، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه وهو على هذه الحال ، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها ، فقامت عليه ، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً ؟ فلم ترَ أحداً ، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ( ثوبها ) ثم سعت سعْيَ الإنسان المجهود ( الذي أصابه الجهد والتعب ) حتى جاوزت الوادي ، ثم أتت المروة ( الجبل الصغير المقابل للصفا ) ، فنظرت هل ترى من أحد ، فلم ترَ أحداً .
ففعلت ذلك سبع مرات ...
قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فذلك سعي الناس بينهما " فلما أشرفت على المروة (في الشوط السابع ) سمعت صوتاً ، فقالت : صهْ - تريد نفسها – ثم تسمّعتْ ، فسمعتْ ايضاً ( الصوت الذي سمعته سابقاً ) فقالت : قد أسمَعْتَ إن كان عندك غواثٌ ( الغوث والمساعدة ) ( فعادت إلى ابنها ) فإذا هي بالملَك عند موضع زمزم ، فبحث بعقبه – أو جناحه – حتى ظهر الماء ، فجعلتْ تحوضُه ( تجعله مثل الحوض ) ، وتقول بيدها هكذا ( لا تريده أن يخرج من الحوض ) وجعلت تغرف في سقائها ، وهو يفور ، وكلما غرفتْ عاد الماء كما كان يملأ الحوض .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رحم الله أم إسماعيل لو
تركت زمزم – أو قال : لو لم تغرف من الماء – لكانت زمزم
عيناً معيناً " ( جاريةً على ظهر الأرض ) .
قال : فشربت ، وأرضعت ولدها .
فقال لها الملَك : لا تخافوا الضيعة ( الهلاك ) فإن ههنا بيتاً يبنيه هذا الغلام وأبوه ، وإن الله لا يُضَيّع أهله ( الصالحين )
وكان البيت مرتفـَعاً من الأرض – كالرابية – تأتيه السيول ، فتأخذ عن يمينه وعن شماله .
فكانت كذلك ( مر عليها زمن على هذه الحالة ) حتى مر بهما رفقة من ( قبيلة جُرهُم ) أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كـَداء ، فنزلوا أسفل مكة ، فرأوا طائراً عائفاً ( يحوم على الماء ويتردد ، ولا يمضي عنه ) فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء ، لَـَعهدُنا بهذا الوادي وما فيه ماء ، فأرسلوا جرِيّاً أو جَريّتين ( رُسلاً ) فإذا هم بالماء ، فرجعوا ، فأخبروهم ، فأقبلوا وأم إسماعيل على الماء ، فقالوا : أتأذنين لنا أن ننزل عندكِ؟ قالت : نعم ، ولمن لا حق لكم في الماء . قالوا : نعم.
قال ابن عباس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس ( تأنس إلى الناس وترغب بمجاورتهم ) فنزلوا ، فأرسلوا إلى أهليهم ، فنزلوا معهم ، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات ( بنَوا بيوتاً حول الماء ) وشب الغلام ، وتعلم العربية منهم ( فهو عراقي الأصل وولد في فلسطين ، ولغة أبيه غير العربية ) وأنفَسَهم ( أعجبهم لما فيه من شمائل حميدة ) وأعجبهم حيث شبّ ، فلما أدرك ( بلغ مبلغ الرجال ) زوّجوه امرأة منهم .
وكان إبراهيم عليه السلام يزورهما ويتفقدهما كل حين ..
وماتت أم إسماعيل ، فجاء إبراهيم عليه السلام بعدما تزوج إسماعيل يطالع تركتَه ( يتفقد آل بيته ) فلم يجد إسماعيل ، فسأل امرأته عنه ، فقالت : خرج يبتغي لنا – وفي رواية يصيد لنا – ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بِشَرّ ، نحن في ضيق وشدة ، وشكَت إليه ...
قال : فإذا جاء زوجك فأقرئي عليه السلام ، وقولي له : يغيّرْ عتبة بابه . فلما جاء إسماعيل كأنه آنس ( أحسّ) شيئاً ،
فقال : هل جاءكم من أحد ؟
قالت: نعم ، جاءنا شيخ كذا وكذا ، فسألَنا عنك ، فأخبرتُه ، فسأني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أننا في جهد وشدة .
قال : هل اوصاك بشيء؟
قالتْ : نعم ، أمرني أن أقرأ عليك السلام ، ويقول : غيّرْ عتبة بابك .
قال : ذلك أبي ، وقد أمرني أن أفارقك .. الحقي بأهلك ، فطلّقها ... وتزوّج منهم أخرى .
فلبث ( غاب ) عنهم إبراهيم عليه السلام ماشاء الله ، ثم أتاهم بعدُ ، فلم يجده ، فدخل على امرأته ، فسأل عنه . قالت : خرج يبتغي لنا . قال : كيف أنتم ؟ وسألها عن عيشتهم وهيئتهم ، فقالت : نحن بخير وسعة . وأثنت على الله تعالى . فقال لها : ما طعامكم ؟ قال : اللحم . قال : وشرابكم ؟ قالت : الماء . قال : اللهم بارك لهم في اللحم والماء .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ولم يكن لهم يومئذ حَبّ ، ولو كان لهم دعا لهم فيه " .
ثم دعته إلى طعامهم وشرابهم ... ثم قال لها : إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام ، ومريه أن يثبت عتبة داره .
فلما جاء إسماعيل قال : هل أتاكم من أحد؟ قالت نعم ، أتانا شيخ حسن الهيئة ، وأثنت عليه ، فسألني عنك ، فأخبرته، فسألني : كيف عيشنا ؟ فأخبرته أنا بخير .. قال إسماعيل : فأوصاك بشيء ؟ قالت: نعم ، يقرأ عليك السلام ، ويأمرك أن تثبت عتبة دارك .
قال : ذاك أبي ، وأنت عتبة بابي ، أمرني أن أمسكك.
ثم لبث عنهم ما شاء الله ، ثم جاء بعد ذلك ، وإسماعيل يبري نبلاً ( يبري السهم قبل أن يركب في نصله وريشه ) له تحت دوحة ، قريباً من زمزم . فما رآه قام إليه ، فصنع كما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ( من المعانقة والترحيب وغير ذلك ) .
قال إبراهيم عليه السلام : يا إسماعيل ؛ إن الله أمرني بأمر .
قال إسماعيل : فاصنع ما أمر ربك .
قال : وتعينني ؟
قال : وأعينك .
قال : فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا . .. وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها .
فعند ذلك رفع القواعد من البيت ، فجعل إسماعيل يأتي يبالحجارة ، وإبراهيم يبني .. حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر ( الحجر الأسود ) فوضعه له . فقام عليه وهو يبني ، وإسماعيل يناوله الحجارة ، وهما يقولان " ربنا تقبل منا ، إنك أنت السميع العليم "

رواه البخاري : رياض الصالحين / باب المنثورات والمُلح

Image

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (5)

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (5)

الدكتور عثمان قدري مكانسي
القصة الواحدة والعشرون
ماشطة ابنة فرعون

يتجلى في هذه القصة إيمان المرأة الداعية – شقيقة الرجل ونصفه اللطيف – القوي الذي يجعل منها في الحق لبؤة قوية ، ثابتة العقيدة كالجبال الرواسي ، قوية النفس كالعاصف الدويّ، لا تبيع دينها بمنصب ولا مال ولا دنيا مهما كانت الدنيا مقبلة غويّة .
فهي ماشطة ابنة فرعون ، تعيش وأسرتها في بحبوحة ويسر ، ورغد وهناءة ، قريبة إلى قلب فرعون البلاد ، استأمنها على بناته ونسائه ، فكانت عند حسن ظنه في أداء عملها ....
لكن هذه النعمة التي يحسدها عليه كثير من النساء ، وهذه الحظوة التي نالتها عند مليك البلاد لم تضعف دينها – وهي تعيش بين عتاولة الكفر وسدنة الضلال – بل جعلتها تشكر نعمة ربها أنْ هيّأ لها هذه النعمة ، وبوّأها تلك المكانة ... فجاء الابتلاء والاختبار على قدْر الإيمان ، وكانت جديرة أن يخلدها التاريخ في دنيانا ، وأن يكون الفردوس الأعلى مثواها ومأواها ..
فما قصة ماشطة ابنة فرعون يا ترى ؟!
فقد ذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه ليلة أسريَ به إلى بيت المقدس وجد رائحة طيبة ملأت صدره الطاهر وآنسته في مسراه ، فالتفت إلى رفيق سفره وأمين الله في رسالاته إلى الأنبياء الكرام يسأله عن سر هذه النسمة المباركة فقال :
يا أخي جبريل ؛ ماهذا العبق الآخّاذ الذي ملأ المكان .
قال جبريل : هذه رائحة قير ماشطة ابنة فرعون وزوجها وابنهما .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم : كأن فرعون قتلهم ؛ أليس كذلك يا أخي جبريل ؟
قا جبريل : بلى يا محمد ؛ أصبت كبد الحقيقة .
قال : هذا دأب الظالمين ، قد خبـِرت الكثير من أمثال فرعون في مكة وغيرها .
قال جبريل : هم كذلك في كل زمان ومكان ، نسخة واحدة تتكرر في البطش والتنكيل ، وظلم البشر ، والتجبر عليهم .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : فما قصتهم يا أخي جبريل ؟.
قال : كان الرجل وزوجته من المؤمنين الأتقياء - إن الطيور على أشكالها تقع – رزقا طفلاً أرضعاه لبن الإيمان والتقوى ، وكانا يكتمان إيمانهما في هذا السيل من الكفر الطامي ، وكلما وجدا في إنسان بذرة خير واطمأنا إليه دعَواه إلى الإيمان بالله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد . ويظل الداعية آمناً في حياته إذا لزم جانب الحذر ، وعرف كيف يظهر إيمانه ومتى؟
لكنّ الحذر لا ينجي من القدَر . والدنيا دار ابتلاء يسعد فيه من نجح في الامتحان ، ويهوي فيه من نكص على عقبيه . وباع باقياً بزائل .
قال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : فكيف كُشف أمرُهما ؟
قال جبريل عليه السلام : بينما كانت المرأة تمشّط شعر بنت فرعون وقع المشط من يدها ، فانحنت تتناوله قائلة باسم الله . .. فانتبهت ابنة فرعون إلى قولها ، وكأنها استحسنته . فابتسمت بوجه المرأة تشكرها على إيمانها القوي بالمتألّه المتكبر فرعون . ثم قالت لها متلطفة ومتأكدة بآن واحد : تقصدين أبي - الإله العظيم – أليس كذلك ؟.
لو أرادت المرأة أن تستدرك ما قالته لأجابت إجابة مبهمة ملمّحة ليست واضحة ، كأن تبتسم بوجه الفتاة ، وتغبطها على حبها لأبيها ، أو تتمتم بألفاظ غير مفهومة توحي بالاعتذار ، أو تشاغلها بحديث آخر يبعدها عن الجواب ..
ولعل امتعاضها من هذا السؤال غير المتوقع كشف خبيئتها ، وفضح مستورها ... ولعلها ظنت بالفتاة خيراً ، ورأت الوقت مناسباً للمصارحة بالحقيقة والدعوة إلى الله .. ولم لا؟ فامرأة فرعون نفسها آمنت بالله رباً واحداً لا شريك له ، وبموسى عليه السلام نبياً ، وكفرت بزوجها الدعيّ المتجبّر ، وسألت الله تعالى أن ينجيها من فرعون وعمله ، وأن يبني لها بيتاً في الجنة ، فلم لا تكون ابنتها مثلها ؟!
قال المرأة : بل باسم الله خالق السموات والأرض ، رب العالمين .
قالت الفتاة : أنت تقصدين والدي بالطبع .
قالت المرأة بل أقصد الله ربي وربـَّك وربَّ أبيك .
قالت الفتاة محتدّة : ماذا تقولين يا مرأة ؟
قالت الماشطة بهدوء واتزان : إن أباك بشر مثلي ومثلك يا ابنتي ، لا حول له ، ولا قوة ، وما فرعون إلا رجل كبقية الرجال يأكل ويشرب ، وينام ويستيقظ ، ويمرض ويصح ... إنه مخلوق يا ابنتي ، فلا تغرّنّك المظاهر الكاذبة الخادعة .
قالت الفتاة الغرّيرة مستاءة ممن حطّم آمالها الطفولية بأبيها – وكل فتاة بأبيها معجبة – لأشكونّك إلى أبي ما لم تعودي عن قولك هذا .
قالت الماشطة : بل تعس أبوك من متكبر لا يؤمن بيوم الحساب .
وصل الخبر إلى فرعون ، فامتلأ غضباً وتاه كِبراً ، أفي قصره من يكفر به ؟ أوَصَلَ أتباع موسى إلى مأمنه ومكمنه ؟ يا للفضيحة ! .. وأسرع يستجلي الخبر ليئده في مكانه قبل أن يستفحل خطره في القصر ، ثم بين المقربين ... قد انتشر بين العامّة فلا ينبغي أن يصل إلى عرين فرعون .
قال فرعون : أصحيح ما قالته الفتاة ؛ أيتها الماشطة؟!
قالت : نعم أيها الملك ، فلا إله إلا الله وحده ، لا شريك له .
قال مهدداً متوعّداً : ألك رب غيري ؟.
قالت المرأة : ربي وربك الله الذي في السماء ؛ أيها الفرعون .
قال لأقتلنّك إن فعلتِ .
قالت : لكل أجل كتاب ، وإلى الله المصير .
قال فرعون : أزوجك صابئ مثلك ؟ لأقتلنكما معاً .
وجيء بالزوج ، فأعلن شهادة الحق المدوية في أذن التاريخ أنْ لاإله إلا الله ، وحده لا شريك له .
والفراعنة في كل زمان ومكان لا يحبون أن يسمعوا قولة الحق ، ولا يقرون بها ، ويعذبون أصحابها ويقتلونهم ... لكنْ أن يٌقتل الأطفال بجريرة غيرهم أمرٌ في غاية الهمجية والوضاعة ؟! هذا دأب الجبابرة العتاة والشياطين المردة .
وكما فعل أصحاب الأخدود بالمؤمنين فعل فرعون بهذه الأسرة الصغيرة المؤمنة ، فأوقدت النار في نقرة كبيرة من نحاس عميق ،
فلما اشتد أوارها قالا له : إن لنا إليك حاجة .
قال فرعون : ماهي ؟
قالا: أن تجعل رفاتنا في ثوب واحد ، فتدفنه في حفرة واحدة .
قال : ذلك لكم لِما لكما علينا من حق خدمتكما لنا .
وألقي الرجل فيها أولاً ، فكان رابط الجأش ، نديّ اللسان بذكر الله عز وجل .
وكما نطق رضيع في قصة الأخدود يحث أمه على الدخول في الأخدود دون خوف ولا نكوص فرمت به وبنفسها فكانت من الخالدين نطق الرضيع هنا قائلاً لأمه : اصبري يا أماه فإنك على الحق ، واقتحمي النار ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة .. فاقتحمتها لتفوز الأسرة بالنعيم المقيم في جوار رب محب رحيم .

موقع الدرر السنية / كلمة/ الماشطة
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثانية والعشرون
هم القوم لا يشقى بهم جليسُهم
دكتور عثمان قدري مكانسي

نحن الآن في سماء المدينة المنوّرة ، تلك البلدة الصغيرة التي شع منها نور الإيمان إلى أرجاء المعمورة ... خففِ السرعة يا حادي الأرواح ، واهبط بنا قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم .... رويداً .... رويداً ...
هؤلاء الصحابة الكرام يتحلقون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يحدّثهم – فلنقتربْ قليلاً كي نملأ عيوننا من جمال طلعته ، وقلوبَنا من بهاء نوره، وآذانَنا من حسن بيانه وصدق كلماته ، ولنسلم عليه بسلام النبوّة ... يا ألله ؛ ما أحلى أن يعيش المؤمن ساعة مع نبيه العظيم صلى الله عليه وسلم ، وما أفضل أن يلتقي أصحابه الكرام ! ... لِيجلسْ كل منا حيث ينتهي به المجلس ... قد بدأنا نسمعه صلى الله عليه وسلم يقول :
إن لله ملائكة يطوفون في الطرق ، يلتمسون أهل الذِّكر .
قال أبو بكر : ومن أهل الذكر يا رسول الله ؟
قال صلى الله عليه وسلم : هم المصلّون وقرّاءُ القرآن ، والداعون بخير الدارين ، من يتلو حديثي ، فيفهمه، ويدرس العلم ، ويُتقنه، ومن يسبّح بحمد الله ، ويُرَطّب لسانَه بذكره .
قال عمر : ولكنّ المسجدَ مكانُ هؤلاء ، يا رسول الله .
قال صلى الله عليه وسلم : إن الله معك – يا عمر - في المسجد ، وبين الناس تبيع وتشتري ، وفي مسيرك إلى حاجتك ، وأنت وحدك بعيداً عنهم تذكر الله ، وتفكر في عظمته وبديع خلقه وكثرة فضائله ، وهو – سبحانه – يريد أن يراكم في حِلـَق العلم وفي حِلـَق الذكر ، في مساجدكم وفي مجالسكم ، في بيوتكم وبين أهليكم . ويرسل ملائكته تغشى مجالسكم ، فإن وجدوا بعضَكم يذكر الله عزّ وجلّ نادى بعضُهم بعضاً :
هلمّوا ؛ قد وجدنا بُغيَتَنا ، قد وجدنا ما نبحث عنه .
قال عثمان : فماذا يفعلون ؛ يا رسول الله إن وصل جمعُهم إلى حِلَق الذاكرين ؟
قال صلى الله عليه وسلم : يطوفون حول الذاكرين ، ويدورون دافعين أجنحتهم مظللة عبادَ الرحمن راضين بما يفعلون ، مُقرّين بما لهم من فضل وزلفى ومكانة عند الله ، ويرفعون إلى الله أعمال عباده .
قال علي : يا رسول الله ؛ أفلا يعلم الله ما يفعل عبادُه ؟! فلِمَ ترفع الملائكةُ أعمالهم إليه – سبحانه- وتعالى ؟.
قال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى حين خلق آدم وأخبر ملائكته أن ذريته سيعيشون في الأرض ويعمُرونها قالت الملائكةُ : " يا رب ؛ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ، ونحن نسبح بحمدك ، ونقدس لك ؟! فأراد المولى سبحانه أن يبيّن لهم أن في الناس من يرقى إلى مكانةٍ عظيمة حين يتصل قلبه بالله ويكون عمله خالصاً لوجهه سبحانه ، وأن الملائكة ليست وحدها تعبد الله وتعرف حقه ، وعلى هذا فهو – سبحانه- يسألهم عما رأوا من عباده مِن ذكر وعبادة ودعاء .
قال سعد ابن أبي وقّاص : ولِمَ يسأل الله ملائكتَه عن المؤمنين - يا رسول الله – وهو أعلم بما يفعلون ؟.
قال صلى الله عليه وسلم : رضاً عمّا يفعلون ، ورفعاً لدرجاتهم ، وإشهاداً للملائكة بفضلهم .
قال أبو عبيدة : هل لنا أن نعرف ما يدور من حوار بين الله تعالى وملائكته الأبرار ؟
قال صلى الله عليه وسلم :
يقول الله تعالى : ما يقول عبادي ؟ وهو أعلم بما يقولون .
تقول الملائكة : يسبحونك ، ويكبّرونك ، ويحمدونك ، ويمجّدونك .
فأنت المنزّه عن الشبيه والمثيل ، وأنت الكاملُ الكمالَ المطلقَ .. يا ألله .. وأنت الكبير العظيم ، بيدك مقاليد الأمور ، تصرفها كيف تشاء ، لك الحمد ، فأنت صاحب الحمد ، ولك الشكر ، فأنت صاحب الشكر ... المجدُ لك ، والشرف والعزّ لك ... لا إله إلاّ أنت .
يقول الله تعالى : وهل رأَوني ، فعرفوا صفاتي ، فلهجوا بها ذاكرين مسبحين ، مكبرين حامدين ممجدين ؟
تقول الملائكة : لا والله ؛ ما رأوك- يا رب – وهل يُحيط الحقير بالجليل ، والناقص بالكامل ، والصغير بالكبير ؟! سبحانك – يارب –
يقول الله تعالى : إنهم يسبحونني ، ويكبرونني ، ويحمدونني ، ويمجدونني ، ولم يرَوني . فكيف إذا رأوني ؟ ماذا يفعلون ؟.
تقول الملائكة : لو رأوك لكانوا أكثر عبادةً، وأشد تمجيداً ، وأطولَ تسبيحاً .
يقول الله تعالى : فماذا يسألون ؟
تقول الملائكة : يسألون الجنة التي وعدْتَها عبادَك الصالحين .
يقول الله تعالى : وهل رأوها ، فطلبوها ؟
تقول الملائكة : لا – يارب – كيف يرونها ، وهم في الدنيا ؟ إنما عرّفهم بها رسولك محمد صلى الله عليه وسلم .
يقول الله تعالى : سألونيها ، ولمّا يروها ، فكيف لو رأوها ؟
تقول الملائكة : لو رأَوها كانوا أشد حرصاً عليها ، وأشد لها طلباً ، وأعظم رغبة فيها .
يقول الله تعالى : فممّ يتعوّذون ؟ وممّ يخافون ؟.
تقول الملائكة : يتعوّذون من النار ، ومنها يخافون ، وإليك – ياربّ- يلجأون .
يقول الله تعالى : يتعوّذون بي منها ؟ فهل رأَوها ، فخافوها ؟
تقول الملائكة : لا والله – يارب – ما رأَوها ، لكنّ كتابَك خوّفهم منها ، ورسولك الكريمَ حذ ّرهم منها ومن عذابها .
يقول الله تعالى : يسألونني إجارتهم منها ، وإنقاذَهم من حرّها وعذابها ، ولمّا يرَوها ، فكيف لو أنّهم رأَوها ؟.
تقول الملائكة: لو رأَوها كانوا أشدّ فِراراً منها ، وأكثر خوفاً وهروباً .
يقول الله تعالى : إنهم يذكرونني ، ويسبحونني ، ويمجّدونني ، ولسألونني الجنّة ، ولم يروها ، ويتعوّذون من النار ، ولم يرَوها ... أشهدُكم - يا ملائكتي – أنني قد غفرت لهم .
يقول ملَك منهم : ياربّ إن فيهم رجلاً لم يأتِ إلى حلـْقتهم قاصداً ذكرك وعبادتَك ، إنما كانت له حاجةٌ عند أحدهم ، فهو ينتظره ليقضي له حاجَتَه ، أفـَقـد غفرتَ له؟ .
يقول الله تعالى : نعم ... هم القومُ لا يَشقى جليسُهم .
فرفع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أيديَهم إلى السماء يبكون ، ويشهقون ، ويجأرون إلى الله تعالى أن يغفر ذنوبهم ، ويرفعهم في عليين ، وأن يعفو عنهم ، ويتجاوزَ عن سيئاتهم ...
ورفعنا نحن أيديَنا إلى السماء نقول : ونحن يا رب معهم .. ونحن يا رب معهم .. فهم القوم لا يشقى بهم جليسُهم ...

متفق عليه
رياض الصالحين
باب فضل حِلـَقِ الذ ّكروالندب إلى ملازمتها
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثالثة والعشرون 
 عندما يتخاصم الصالحون
دكتور عثمان قدري مكانسي

اشترى رجل من رجل آخر عقارا، فلما تفقده وجد فيه جرة من ذهب. قال شيطانه :خذها ، هي لك. قال الرجل: لو علم البائع ما فيها ما باعها ، والله لأعطينٌه إياها ، فهي له .
وانطلق المشتري إلى البائع يحمل الجرة .
المشتري : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
البائع : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ، أهلاً ومرحباً .
المشتري : خذ ذهبك – يا أخي - فقد عثرت عليه في البيت الذي بعتني إياه.
البائع : إنه ليس لي ، فقد برئت ذمتي منه، وهو لك حلال زلال.
المشتري : أصلحك الله ،يا أخي،إنما اشتريت الدار منك، ولم أشتر الذهب.
البائع : إنما بعتك الدار وما فيها.
يا الله ،ما هذان إلا ملكان،!.. لقد ساق الله تعالى إليهما الرزق، وكل واحد منهما يتورع أن يأخذه، وهو يدفعه إلى صاحبه.من أي طينة هما؟!وكيف يفكران؟!.
إن الناس ليقتل بعضهم بعضا فيما ليس لهم، وينصبون الشراك ليبتلعوا الباطل ما أمكنهم  ويخادعون ،أما هذان فيؤثر كل منهما أخاه الآخر ، ويتبرأمن الذهب..نعم من الذهب الذي يسيل اللعاب لذكره،بله الرؤية والتملك!!
 واختصما.. نعم ، وتحاكماإلى رجل صالح،كان ذكيا لبقا، ينظر بنور الله ، فرزقه الله حسن الفهم وسداد البصيرة.
ابتسم لهما
قال: ألكما ولد؟
البائع: لي غلام "صبي"
المشتري: لي جارية"بنت"
قال: أنكحا الغلام الجارية،وأنفقا عليهما من المال،وتصدٌقا.

متفق عليه
رياض الصالحين ، باب المنثورات والمُلَح

 

 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الرابعة والعشرون
نسألك اللهمّ العافية
دكتور عثمان قدري مكانسي
رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا قصّها على أصحابه رضوان الله تعالى عليهم ،
فقال : أتاه الليلة آتيان فقالا له : انطلق . فانطلق معهما ، فأتَوا على :
1) رجل مضّجع وآخر بيده صخرة ، وإذا به يهوي بالصخرة على رأسه ، فيشدخ له رأسه ويشقّه ، ويتدحرج الحجر مبتعداً ، فيلحق به الرجل ، فيأخذه ويعود إلى الرجل الأول ، فيجد رأسه عاد صحيحاً كما كان ، فيفعل به مثلما فعل المرّة الأولى .
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم للرجلين : سبحان الله ، ماهذانِ؟! ولِمَ يفعل الرجل الثاني بالأول ما فعل؟ فلا يُجيبانه ، بل يقولان له : انطلق معنا . فينطلقُ .
2) فإذا بهم يقفون على رجل مستلق لقفاه ، وإذا آخر قائم عليه ، وبيد كَـَلـّوبٌ من حديد يضعه على أحد شِقـّي وجهه ، فيشدّه ، فيقطع شدقه إلى قفاه ، ويُقَطـّع سَحَره ( حلـْقَه ) إلى قفاه ، ويمزّق عينه ، فتنفر إلى قفاه كذلك ، ثم يتحوّل إلى الجانب الآخر ، فيفعل به مثلما فعل بالجانب الأول . فما يَفرغ من ذلك الجانب حتى يَصحّ ذلك الجانبُ الأوّل كما كان ، ثم يعود عليه ، فيفعل فيه مثلما فعل في المرة الأولى ... فيقول الرسول صلى اللله عليه وسلم : سبحان الله ؛ ماهذان؟! ولِمَ يُفعل به ما يُفعل ؟ ، فلا يجيبانه بل يقولان له : انطلق ، انطلقْ . فينطلقُ معهما .
3) فيأتون على حفرة كفـُوَّهة التنّور ، قال : فسمعنا في لَغـَطاً وأصواتاً تعلو وتنخفض ، فنظرنا فيها ، فإذا رجال ونساء عُراة ، وإذا أعلى التنور ضيق ، وأسفلُه واسع يتوقـّد ناراً ، فإذا ارتفعت النار ارتفعوا حتى كادوا يخرجون ، وعلا صياحُهم ألماً ومرارة ، وإذا خمدت النارُ رجعوا فيها ... فقلت : ما هؤلاء ؟! فلم أسمعْ منهما سوى انطلق انطلق، ولم يجيباني .
4) فتبعتـُهما ، فأتينا على نهر أحمر مثلِ الدم ، وإذا في النهر رجل سابح يسبح ، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارةً كثيرةً ، وإذا ذلك السابح يسبح ما يسبح ، ثم يأتي نحو الرجل الآخر يريد الخروج ، فإذا أراد أن يخرج ، وفتح فاه ألقمه هذا حجراً ، فردّه حيث كان ، فينطلق فيسبح ، فإذا عاد يريد الخروجَ فعل به مثل ما فعل سابقاً ، فيرجع كما كان . فقلت لصاحبيّ : ماهذان؟! وما الذي أراه ؟، فلم يردّا عليّ سوى انطلق انطلق . فأنطلق معهما .
5) حتى وصلنا إلى رجل كريه المنظر ، لم أرَ مثله هكذا إنساناً كريها ، وإذا هو عنده نارٌ يوقدُها ، ويسعى حولها مهتمّاً بحسن إيقادها . فقلت لهما : مَن هذا ؟ ولِمَ يوقد النار؟ فلم يجيبا كعادتهما ، بل أمراني أن أجدّ السيرَ ، فانطلقَ وراءهما ، فالتزمت أمرهما مسرعاً .
6) فأتينا على روضة ممتلئة زهوراً ووروداً ، جميلةٍ نضرةٍ وافيةِ النبات ، طويلـِهِ ، ورأيت في وسطها رجلاً طويلاً لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء ، وإذ حول الرجل أولاد كثيرون جداً ، لم أرَ مثلَهم قطّ . فسألتهما عنه وعمّنْ حوله ، فلم يصغيا لي ، وأمراني أن أتبعهما مسرعاً ففعلتُ .
7) فوصلنا إلى شجرة ضخمة جداً ، آخذةٍ في العرض والارتفاع ، لم أرَ مثلها اتـّساعاً وعلُوّا ، فقالا لي : ارْقَ فيها . فارتقينا فيها إلى مدينة مبنيّة من لـَبـِن ذهبيّة وأخرى فضّية . وارتقينا الباب ، فاستفتحاه ، ففُتح لنا ، فدخلنا المدينة ، فرأينا أوّل ما رأينا عجباً . تلـَقـّانا رجال نصفـُهم جميل كأحسن ما ترى من الجمال ، وشطرُهم الآخر قبيح كأقبح ما ترى من القبح . قالا لهم : اذهبوا فـَقعوا في النهر ، فذهبوا إلى نهر يجري ، كأن ماءه بياض خالص ، لا تشوبه شائبة ، فسبحوا فيه هنيهة ، ثم عادوا إلينا قد ذهب ذلك السوءُ عنهم ، فصاروا في أحسن صورة ....
ثم التفتا إليّ وقالا: هذه جنة عدن التي وعد الله المؤمنين .
وقال أحدهما : أمّا أنا فجبريل ، وهذا ميكائيل . فارتاحت نفسي إذ عرفتـُهما ، فقلت :
قد رأيتُ منذ الليلةِ عجباً ! ، فوضّحا لي ما رأيتُ .

قالا: أمَا إنا سنخبرك بعدما رأيتَ ما رأيتَ :
1- أما الرجل الأول الذي أتيتَ عليه يشق صاحبُه رأسَه بحجر ثقيل فإنه الرجل الذي يتهاون في قراءة القرآن ومُدارسَتِه ، الذي ينام عن الصلاة المكتوبة ، فلا يصليها لوقتها .
2- وأمّا الذي يقطع صاحبُه شِدقَه إلى قفاه ، ومَنخره إلى قفاه فهو الذي يخرج من بيته قد أكرمه الله وستره ، فلا يرى لشكر الله سوى الكذب ونشره والاجتهادِ في إذاعته على الناس جميعاً ، لا يرى في ذلك حرجاً .
3- وأما الرجال والنساءُ العُراةُ الذين هم في مثل بناء التنّور فإنهم الزناةُ والزواني الذين أشاعوا الفاحشة ، وانغمسوا فيها دون أن يحسُبوا للشرف والطهارة حساباً .
4- وأما الرجل الذي أتيتَ عليه يسبح في النهر الأحمر ، فيُلقِمُه صاحبُه الحجارةَ فإنه آكل الربا الذي يغصُب الناس أموالَهم وأقواتَهم التي بذلوا في سبيلها دماءهم وعرقهم .
5- وأما ارجل الكريه المنظر الذي عند النار يوقدها ، ويسعى حولها فإنه مالِكٌ خازن جهنّم ، يجهّزها للعُصاة المارقين .
6- وأما الرجل الطويلُ الذي في الروضة فإنه أبوك إبراهيم عليه السلام ، وأمّا الوِلْدانُ حوله فكل مولود مات على الفطرة ....
فقال بعض المسلمين الحاضرين : وأولادُ المشركين يا رسول الله ؟
قال صلى الله عليه وسلم : وأولاد المشركين .
7- وأما القوم الذين كانوا شطرٌ منهم حسنٌ ، وشطرٌ منهم قبيحٌ فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً ، تجاوز الله عنهم .
وقال الملَكان مشيرين إلى مكان عالٍ : وهذا منزلك .
فرفعت رأسي فإذا فوقي مثلُ السحاب الأبيض ....
قلت لهما : بارك الله فيكما ، دعاني أدخل منزلي .
قالا: أمّا الآن فلا ، إنه بقي لك عُمُرٌ لم تستكملْه ، فلو استكملتَه أتيتَ منزلك .

رواه البخاري
رياض الصالحين / باب تحريم الكذب

 


 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الخامسة والعشرون
إنه خالص لله
دكتور عثمان قدري مكانسي

قال الابن لوالده: لقد أعطيت مسؤول الجمعية الخيرية المالَ الذي تبرعنا به ، وحين سألني عن صاحب المكرمة ذكرت له اسمك.
قال الأب : ألم أوصِك – يا بنيّ- أن لا تفعل ذلك ؟ ألم أقل لك : ادفع المال ، وذيّل التوقيع باسم " فاعل خير " وامضِ دون أن يعرفوك ؟.
قال الابن : اجتهدت – يا والدي – أن تُعرف برَجل " البر والتقوى " ليقتدي بك الناس في السخاء والكرم .
قال الأب : أنا لا أحب الرياء يا ولدي ، فإنه يُحبط العمل الصالح ، ويُضيع الأجر .
قال الابن : من قال إنك تـُرائي بتبرعك بما أعطاك الله يا أبي ... إلاّ أنه خطر ببالي أن تبرعك على أعين الناس يشجعهم على تقليدك فيبذلوا المال ... وقد ترغب مرة أن ترشح نفسك لمنصب يخدم الأمة ، فيكون ذكرك الحسنُ شفيعاً عندهم للوصول إلى ما تبتغيه من خدمتهم والسهر على مصالحهم .
قال الأب : حسبك - يا بني – فهذه – والله- المراءاةُ بعينها ... لقد ضيعتني - يا ولدي – استغفر الله وأتوب إليه ... ما كنت أقصد ذلك .. أستغفرك ، يارب .
قال الابن : كيف يَضيرُك ما فعلتـُه – يا أبتِ – أنا لا أقصد إلا الخير .وهل في أن تكون النية الصالحة مختلطة بالمصلحة الدنيا مدعاة إلى سخط الله ؟!
قال الأب : إن الله تعالى لا يقبل من عبده إلاّ ما كان خالصاً لوجهه الكريم .. هل سمعتَ بقصة الشهيد والعالِم والمحسن الذين كـُبـّوا على وجوههم في النار حين تباهـَوا بما فعلوا ؟
قال الابن : أرجو - يا والدي –أن تعلَمني وترشدني ، فأنا إلى نصائحك وإرشادك أحوج مني إلى الماء الزلال .
قال الأب : يقول الرسول صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه وهم متحلقون حوله ترنو إلى وجهه الصبوح عيونُهم ، وترشف من معين تعاليمه قلوبُهم :
إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استُشهد .
قال أحدهم : أيُقضى عليه أم لم له ؛ يا رسول الله ؟ فقد سمعنا منك أنه شهيد ، والشهيد له الدرجات العلا كما علمتنا يا رسول الله .
قال عليه الصلاة والسلام : بل يُقضى عليه ... تأتي به الملائكةُ إلى الحق – جلّ وعلا – فيُعرّفه نعمته التي أنعم بها عليه : الإيمان ، الصحة ، العافية ، القوة ، الرزق .... فيُقر الرجل بنعم الله تعالى عليه ..... فيسأله الله تعالى – وهو العليم – فما عملتَ فيها ؟
يقول الرجل : قاتلت في سبيلك وخضت المعارك أعلي كلمة الحق ، واستشهدت دفاعاً عن دينك القويم .
فيقول الحق تبارك وتعالى : كذبت أيها الرجل ( وإذا نطق الحق خرست الألسنة ونُكّست الرؤوس ، وأيقن المخاطَب بالهلاك والثبور وعظائم الأمور ) ولكنك قاتلت ليقول الناس إنك جريء ... وقد قيل ، فليس لك عندي ثواب سوى النار ، فأنا لا أقبل إلا ما كان خالصاً لوجهي ، خذوه إلى النار ... فيُسحب الرجل على وجهه مَهيناً ذليلاً ، ثم يُلقى في نار جهنّم .
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ومثله رجل تعلم العلم ، وعلّمه الناسَ ، فلهجوا بذكره ، وكبر في عيونهم ، وقرأ القرآن بصوت حلو عذب ، فرتـّله ترتيلاً رائعاً ، فمالت رؤوس القوم له يستزيدونه ، فييزيدُهم ، ويُطرونه ، فيَسعد بإطرائهم .. ولقد كان يتعلّم ، ويعلّم ، ويقرأ ليستفيد مالاً ومركزاً وذكراً حسناً بالإضافة إلى ما يظنّه العملَ الصالحَ .. فهو يُفيد الناس َ!!!
تأتي به الملائكة يوم القيامة فيقف أمام الحق تبارك وتعالى ، فيُعرّفه نعمه الجليلة وأفضاله ، فيقرّ بها الرجل ، ويعترف بفضل الله سبحانه عليه ، فيسأله الله تعالى – وهو العليم – بما قدّم في الدنيا – فما عملتَ فيها ؟
يقول الرجل : تعلمتُ العلم ، وعلّمتُه ، وقرأت القرآن ورتّلتُه ... كل ذلك ابتغاء مرضاتك – يا رب- وطلباً لجنتك .
فيقول الحق تبارك وتعالى : كذبت أيها الرجل ( وهنا يشعر أنه خسر نفسه بريائه ، وهوى في جهنم قبل أن يهوي فيها ، وهل بعد قول الجليل قول ؟) ولكنك تعلمتَ ليُقال : عالم . وقرأتَ القرآن ليقال : قارئ . وقد قال الناس ذلك . ونلتَ استحسانهم ، وهذا ثوابك الذي أردتـَه . ، فليس لك عندي سوى نار جهنم ، فأنا لا أقبل من العمل إلا الخالص لي ... خذوه إلى جهنم ... فيُسحب على وجهه خزيان خاسراً حتى يُلقى فيها .
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ومثله رجل وسّع الله عليه ، فأعطاه المالَ أصنافاً – دنانير ودراهم ودوراً وعقاراتٍ وأنعاماً – فقدّم إلى المحتاجين الكثيرَ ، وعُرف بين الناس بـ " رجل البر والتقوى " فسُرّ لهذا اللقب ، فجعل يُعطي ، ويمُنّ على العباد . وما جلس مجلساً إلا ذكر ما فعله ، وعدّد ما قدّمه ... تأتي به الملائكة أمام علاّم الغيوب ، فيُعرّفه أفضاله الجزيلة وخيراتِه الوفيرة، فيقر الرجل بفضل الله تعالى عليه ، وهل يُنكر عاقل فضل الله وكرمه؟!! فيسأله الله تعالى – وهو العليم .. العليم بكل شيء – ما عملْتَ فيما أعطيتك وفضّلتُ عليك ؟ .
يقول الرجل : ما تركتُ من سبيل تحب – يارب – أن يُنفق المال فيه إلا أنفقتُ في مرضاتك .
فيقول الحقّ تبارك وتعالى : كذبت: ( من كذب خاب ، ومن خاب عاب ... حين ينطق من يعلم السرائر بهذه الكلمة فقد باء المقصود بها بالمصير المرعب والنهاية الفاضحة ، فيا ويل من يصفه الله تعالى بالكذب ) ولكنك بذلت المال ليقول الناس : إنه جواد كريم ، وقد قالوا ذلك ، فماذا تبَقّى لك عندي ؟! من سمّع سمّع اللهُ به ، ومن يسلكْ طريق الرياء يجد ْعاقبة الرياء تنتظره ... خذوه إلى جهنّم .. ( إنه الحكم الفصل الذي لا استئناف فيه ) ... وتجره ملائكة العذاب على وجهه مهيناً ذليلاً ، فيُلقى في نار جهنّم .
وينهي الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حديثه ، فترى القوم يسبحون في عرقهم خوف أن يكون في عملهم رياء ، ويستعيذون بالله من الرياء ، وسوء مصير صاحبه ,
وسكت الأب هنيهة ، ونظر إلى ابنه ليراه واجماً ساهماً ، كأنّ على رأسه الطير .
فقال : أعرفتً يا ولدي كيف ينبغي أن يكون العمل لله وحده ؟
كان سكوت الولد اوضحَ جواب .

رواه مسلم
رياض الصالحين / باب تحريم الرياء

Image

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (4)




قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (4)

 الدكتور عثمان قدري مكانسي

القصة السادسة عشرة
الأسى لا يُنسى

حين ازداد طغيان فرعون وأذاه على بني إسرائيل وبالغ موسى وهارون عليهما السلام في النصح والتذكير لآل فرعون وأظهار المعجزات الباهرات التي تحمل العاقل على تصديقهما والإيمان بدعوتهما ، ثم وجدا القوم مصرين على الجحود والإنكار أخذ موسى يدعو عليهم ، وهارون معه يُؤمّن على دعائه .
ومِن حق من يدعو على الآخرين أن يذكر أولاً سبب الدعاء عليهم لئلا يتوهم السامع أن الدعاء دون سبب ولا ذنب ، ولهذا قدّم موسى عليه السلام السبب والجناية التي استحق فرعون وقومه والملأ منهم دعوة نبيّهم بالهلاك " وقال موسى : ربَّنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ، ربنا ليضلوا عن سبيلك ، ربنا اطمسْ على أموالهم ، واشدُدْ على قلوبهم ، فلا يُؤمنوا حتى يَرَوُا العذاب الأليمَ " فجاءهما الجواب السريع " قد أُجيبتْ دعوتُكما ، فاستقيما ، ولا تتّبعانِّ سبيل الذين لا يعلمون " وهنا ينبهنا الله تعالى أن العبد المستقيم على طاعة ربه مستجاب الدعوة . فلا يفرّطْ في التزام شرع ربه ، ولا يتبعْ طرق الغواية والضلال .
تفتّحت – إذاً- أبواب الدعاء ، فأوحى الله إلى نبيه موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلاً ، وأن يعبر بهم البحر ، ويذهب بهم إلى أرض فلسطين . فتجهّز موسى وأخوه ومن معهما من المؤمنين وبقية الإسرائيليين دون أن يعلم بهم الأقباط وعيونُ فرعون ، وساروا متجهين إلى البحر الأحمر – بحر القلزم – وأخذوا يجدون السير مخافة أن يدركهم فرعونُ وجنوده . فلما كان الصباح نظر الأقباط ، فوجدوا ديار بني إسرائيل قد خلت منهم ، فلم يبقَ فيها ساكن ، فأخبروا فرعون ، فجهز جيشاً جرّاراً ، وخرج على عقِبهم ، وصمم على استئصال بني إسرائيل ، فأدركهم في اليوم الثاني مع طلوع الشمس .
وكان بنو إسرائيل قد نظروا خلفهم فارتاعوا إذ رأوا فرعون بجيشه العرمرم يسرع نحوهم ، فأيقنوا بالخطر والهلاك ، وضجّوا بالصياح والعويل ، وقالوا : يا موسى " إنا لمُدرَكون " فأجابهم إجابة الوائق بربه المعتمد عليه " كلاّ ؛ إن معي ربي ، سيهدين "
هنالك أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى أن يضرب البحر ، فضربه بعصاه ، فانشقَّ عن طريق يابسة بقدرة الله تعالى ، وارتفع الماء على جانبيه ارتفاع الجبل العظيم ، وكأنهما جداران مبنيان من الزجاج القوي يمنعان الماء من ورائهما ! " فكان كل فرق كالطود العظيم " .
ورأى بنو إسرائيل هذه الآية العظمى فجاوزوه على انني عشر ممراً – فهم اثنا عشر فخذاً . وكان موسى وأخوه عليهما السلام وراء قومهما يشجعانهم على الإسراع في العبور – وهذا دأب القائد الرحيم ، الذي يحافظ على قومه ، ويهتم بأمرهم ، ويسعى لحمايتهم والتأكد من نجاتهم .
كان فرعون قد وصل بجنوده إلى شاطئ البحر فأسرع إلى الممر يتبع بني إسرائيل . وأراد موسى أن يضرب البحر بعصاه ليعود كما كان ماءً يمنع الجيش الزاحف أن يصل إليهم . وأراد الله تعالى أمراً آخر ، أراد سبحانه أن يُغرق فرعون وجنوده ليكونوا عبرة لمن يعتبر . فأوحى الحق سبحانه إلى نبيه موسى أن يترك البحر على حاله " واترك البحر رهواً - أي ساكناً – إنهم جندٌ مُغرقون "
قال تعالى " وجاوزنا ببني إسرائيل البحر ،
فأتبعهم فرعونُ وجنودُه بَغياً وعَدْواً ،
حتى إذا أدركه الغرقُ قال :
(آمنت أنّه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ،
وأنا من المسلمين ) " .

قال جبريل عليه السلام مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا رسول الله ، لو رأيتني حين سمعت فرعون يقول ما قال ، وأنا آخذ من وحل البحر ، فأدُسّه في فمه مخافة أن تدركه رحمة الله !!!
وما فعل جبريل ذلك إلا كُرهاً للطاغية المتجبر ، وحنقاً عليه ، فقد أذاق المؤمنين ويلاتٍ ، وويلات ، قتل ذكورهم ، واستحيا نساءهم ، وسخّرهم لخدمته وخدمة أعوانه ، وعاملهم معاملة العبيد ، فتن المسلمين وحاربهم ، ونشر الكفر والفساد ، واّدعى الألوهيّة ، فخاف جبريل أن يقبل الله إيمانه دون أن ينال عقابه .
وهنا سؤال لا بد من طرحه :
إن فرعون تاب ثلاث مرات في هذا الموقف : إحداها قولُه " أمنتُ "
وثانيها قولُه " لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل "
وثالثها قوله " وأنا من المسلمين "
فما السبب في عدم قبول التوبة والإنابة إلى الله ؟
والجواب : سبق السيف العذل ! فقد جاء إيمانُه وهو يُغَرغِر حين صار في حكم الميت أو كادَ ، فهذه توبة اليائس ، وهذا الإيمان إيمان المضطر المكره على الإيمان ، وفي هذه الحال لا تكون التوبة صادقة ، ولا الإيمان مقبولاً ، لأنه إيمان المُكره اليائس من الحياة الذي عاين عذاب الله . " فلم يك ينفعهم إيمانُهم لما رأوا بأسنا " وهذا كمن صدر عليه الحكم بالإعدام ، لا ينفعه الندم ولا الاعتذار .
كما أن التوبة كانت ليُتوصل بها إلى دفع البليّة الحاضرة ، والمحنة النازلة ، ولم يكن فيها إخلاص ، إنما هي ضرب من النفاق ، ولهذا جاء الجواب بالتوبيخ " آلآن !؟ وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ؟ " وهلاّ تبت قبل هذا ، ورجعت إلى ربك قبل أن يحيط بك الهلاك ، وهلاّ آمنت قبل هذا الزمان .
1- رواه الترمذي في كتاب التفسير /باب من سورة يونس
ج/ 4. ص / 287
2- صحيح سنن الترمذي ج/ 3 ص/61
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة السابعة عشرة
( إنه يتصدّق)
دكتور عثمان قدري مكانسي

قال التلميذ لشيخه:
ما المقصود – يا سيدي – بقوله صلى الله عليه وسلم : " ما نقص مالُ عبدٍ من صدقة " ؟ أليس يخرج من يديه ؟ فكيف لا ينقص؟!
قال الشيخ :
لأن الله سبحانه وتعالى يبارك له في أصل رزقه ، ويوسّع عليه ، وقد يحفظه من مصيبة كاد يقع فيها فيَصرِف للخلاص منها أكثر مما تصدّق به بكثير .ألم تقرأ قوله صلى الله عليه وسلم :" ما مِن يوم يصبح العبادُ فيه إلاّ ملَكان ينزلان ، فيقول أحدُهما : اللهم أعط منفقاً خلَفاً ، ويقول اللآخر : اللهم أعط ممسكاً تَلَفاً . ؟
قال التلميذ : وممّ يقبل الله تعالى الزكاةَ والصدقةَ؟
قال الشيخ : إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً ، من كسْبٍ حلال ومالٍ حلالٍ .
قال التلميذ : أوضح لي- يا سيدي- أكثر . كيف يُرْبي اللهُ الصدقات ؟.
قال الشيخ :
لقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم إنماء الصدقة وزيادتَها للعبد كرَجلٍ ولدتْ له فرسُه مُهراً ، فهو يعتني به ، يغذوه وينظفه ، حتى يصير ضخماً مثل الجبل ، ويرزقه الله تعالى من حيث لا يحتسب .
قال التلميذ :
فكيف يثيب الله تعالى من تصدّق بنصيبٍ من حصاد أرضه – مثلاً - ؟
قال الشيخ : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك في قصة المزارع الكريم .
قال التلميذ : وما قصة المزارع الكريم يا شيخي ؟
قال الشيخ :
بينما رجل يمشي في أرض لا ماء فيها ولا زرع إذ سمع صوتاً ، فاتجه يميناً وشمالاً ، يبحث عن مصدره ، فلم يجد أحداً ، ثم عجب حين اتضح له أن الصوت إنما يسمعه من فوقه ، وليس أعلاه سوى السماء بغيومها التي تسوقها الرياح. فأرسل بصره ناحية السماء ، فلم يجد أحداً ،،، لا طيراً ولا بشراً ! بل هو يسمع صوتاً يفهمه .. إنه يقول : اسق حديقة عبد الله ، الرجل الصالح ... يا سبحان الله ؛ إن الإنسان لا يطير ، وإن الطير لا يتكلم بلسان بشري مبين ! إذاً فهو ملَك من ملائكة السماء ،،، فماذا يفعل ؟!
أحدّ بصرَه وتابع مسيرة السحاب ، فرأى سحابة تنفصل عن جمعها ، وتنطلق إلى مكانٍ ما ، فتبعها الرجل . ثم انهمر المطر منها فاجتمع إلى أرض ملساء ، ذات حجارة سوداء صمّ ، لا ينفد الماء إلى باطنها ، تميل إلى منخفض بدأ الماء يسيل نحوه ، ثم ينطلق فيه إلى أرض إلى جانبها أسفلَ منها ، فتتبّع الماءَ ، فإذا هي حديقة غنّاء مملوءةٌ خضرةً وفاكهةً ، ورجلٌ يحوّل الماء هنا وهناك ، ويسقي أرضه .
قال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ردّ صاحب الأرض : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
قال الرجل العابر : ما اسمك يا أخا الإيمان ؟
قال صاحب الأرض : أنا عبد الله ... وذكر له الاسم الذي سمعه الرجل العابر في السحاب .. ولكن لِمَ تسألني عن اسمي ؟!
قال له عابر السبيل : لقد سمعت عجباً ورأيت عجباً .
قال صاحب الأرض : ما الذي سمعتَه عجباً ، ورأيتَه عجباً ؟
قال عابر السبيل : إني سمعت صوتاً في السحاب الذي هذا ماؤه يقول لمن معه : اسق حديقة عبد الله الرجل الصالح ، فبالله عليك ؛ ما الذي تصنعه حتى أرضيت ربّ السماء؟!.
قال صاحب الأرض : أمَا وقد اطّلعْتَ على فضل الله عليّ فاعلم – يا أخي – أنني حين أقطف ثمار الأشجار ، أو أحصد زرع الأرض ، فإنني أقسم ما يخرج منها ثلاثة أقسام :
أتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي الثلث الثاني ، وأردّ في الأرض ثلثه الأخير .
قال عابر السبيل : بهذا حُقّ لك التكريم في الدارين ... فطوبى لك يا أخي ، وبارك الله لك فيما صرفْتـَه في دنياك ، وما ادّخرتهُ لآخرتك

رواه مسلم
رياض الصالحين / باب الكرم والجود والإنفاق في وجوه الخير .
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثامنة عشرة
( النبي الرؤوف)
دكتور عثمان قدري مكانسي

من أعظم النعم على الرجل " المرأة الصالحة" ، تُعينُه على نوائب الحق ، وتخفف عنه متاعب الحياة ، وتجلو عنه أحزانه ، وتهتم براحته ، وتشد أزره .
أما إذا كانت المرأة غير ذلك فهي عبء ثقيل يزداد إلى أعباء الحياة .
هذه السيدة عائشة رضي الله عنها تجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله :
كان وقع معركة أحد شديداً عليك وعلى المسلمين ، قُتل فيها عدد كبير من أصحابك الكرام ، وعلى رأسهم عمك الحمزة رضي الله عنه ، وكُسرت رباعيتُك ، وشُجّ رأسك ، فما الذي أهمك فيها أيضاً ؟
قال صلى الله عليه وسلم : عدم امتثال رماة المسلمين أمري ، فغادروا أماكنهم على الجبل ، فانكشفت ظهور المسلمين ، وانقلب النصر هزيمة ، وانتفخت أوداج أبي سفيان بن حرب – وكان مشركاً- فنادى بأعلى صوته : اعلُ هُبَل، اعلُ هُبل ..... لنا عُزّى ولا عُزّى لكم .
قالت : فماذا كان ردُّك يا رسول الله ؟.
قال : أمرت عمر بن الخطّاب أن يُجيبه على الوتيرة نفسها ، فقال : وماذا أقول له يا رسول الله ؟
قلت له مواسياً جراحَ المسلمين أبُثّ فيهم روح التفاؤل : نادِ بأعلى صوتك : الله أعلى وأجل ... الله مولانا ولا مولى لكم .
قالت عائشة : فهل مرّ بك يا رسول الله يومُ أشدّ من يوم أحُد؟
قال صلى الله عليه وسلم : نعم ؛ إن أشد الآلام يحس بها الإنسانُ حين يكون أهلُه وأحبابُه ، وعشيرتُه وأقرباؤه – الذين ينبغي أن يكونوا سنَدَه ونصيرَه – أعداءً يُؤذونه ، ويؤلبون عليه الناس .
قالت عائشة : أوَ فعلوا ذلك يا رسول الله ؟
قال : نعم ، ولا أنسى ما فعلوه يوم العقبة ، قبل أن ألتقيَ الأنصار رحمهم الله ، وكتبهم في عليين . لقد كنت أدعو الناس ، فهذا يُكذّبني ، وذاك يستمع إليّ ، ثم يُعرض كأنه لم يسمع ، وذاك يُجيبني مشترطاً أن يكون له الأمر من بعدي ... وكنت أتنقل بين جميع المشركين ، ومن ورائي عمي - أبو لهب – وغيره يقولون : لا تسمعوا لهذا الصابئ ، فإنه يُفرّق بين الأب وابنه ، والأخ وأخيه ، وأحياناً كثيرة ينعتونني بالجنون ، وأحايين بالسحر ، ومرة بالكهانة ، وأخرى بالشعر .
قالت عائشة : لك الله يا رسول الله ، كم عانيت في سبيل الله .!
قال : وأشد من هذا فعله إخوة( عبد يا ليل ) وهم من سادة ثقيف حين عرضت نفسي – في الطائف – عليهم ، فقال الأول ساخراً : لئن كان الله قد أرسلك إلينا لأمزقنّ أستار الكعبة .
وقال الثاني مستهزئاً : أما وجد اللهُ من يرسله غيرك ؟!
وقال الثالث مدّعياً العَجَب من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم : والله
لا أكلمك أبداً ، لئن كنت رسولاً – كما تقول – لاأنت أعظم مكانة أن أردّ عليك،
ولئن كنت تكذب على الله فما ينبغي لي أن أكلمك !!
قالت عائشة : فما فعلْتَ يا رسول الله ؟ لعمري ؛ لقد خسروا أنفسهم وأهليهم .
قال : طلبت إليهم أن يكتموا الأمر ، لا يصل إلى قريش ، فيشمتوا بي . فلم يفعلوا ، وأغرَوا بي سفهاءَهم وعبيدهم وصبيانهم . يسبونني ، ويصيحون بي ، ويرجمونني .
قالت : أبَلَغ بهم سَفَهُهُم أن أن يحرّضوا عليك السفهاء والصبيان والعبيد ؟
قال : وأشد من هذا ، فقد ألجأوني إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة ... وهناك دعَوْت ربي قائلاً :
" اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ؛ أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربي ، إلى من تَكِلُني ؟! إلى بعيد يتجهّمني أم إلى عدوّ ملّكتَه أمري ؟ إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، ولكنّ عافيتك أوسع لي . أعوذ بنور وجهك الذي أشرقَتْ له الظلماتُ ، وصَلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غَضَبَك ، أو تُحِلّ علي سَخَطَك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك .
قالتْ: بأبي أنت وأمي ؛ يارسول الله ، لقد آذوك فتحمّلت ، وأساءوا ، فتجمّلْتَ ، وإلى ربك رغبت ، وما خاب مَن إلى ربه لجأ ، وبكنَفه عاذ ... ثم ماذا يا رسول الله ؟.
قال الرسول الكريم صلوات الله عليه وسلامه : هِمتُ على وجهي ممتلئاً همّاً وغمّاً ، فلم أدرِ إلا وأنا قريب من مكة – من قرن الثعالب – فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة أظلتني ، فنظرتُ ، فإذا فيها جبريل عليه السلام . فناداني ، وقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردّوا عليك . وقد بعث لك ملَكَ الجبال لتأمره بما شئت فيهم .
ثم ناداني ملك الجبال ، فسلّم عليّ ، ثم قال : يا محمد : قد بعثني الله لأفعل بقومك ما تشاء ، إن شئتَ أطبقتُ عليهم الأخشبين – جبال مكة - .
قالت عائشة : فلِمَ لم تأمره بذلك يا رسول الله ، فتستريحَ منهم ومن كفرهم وضلالهم ؟.
قال صلى الله عليه وسلم : ويحك يا عائشة ، إنما بعثت رحمة للعالمين ، لا منتقماً . فأي فضل لي إذا عاملتُهم بمثل ما عاملوني به ؟ ... بل أدعو لهم بالهداية ، وأرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَن يعبد اللهَ وحده ، لا يشرك به شيئاً.
وقص عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة نبي من أنبياء الله صلوات الله عليهم وسلامه ، ضربه قومُه فأدمَوه ، وهو يمسح عن وجهه الدم ، ويقول : اللهم اغفر لقومي ، فإنهم لا يعلمون .

متفق عليه
رياض الصالحين / باب في العفو والإعراض عن الجاهلين
 

 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة التاسعة عشرة
( صدقك وهو كذوب )
دكتور عثمان قدري مكانسي

جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام أصحابه بعد أداء الفريضة يسبح الله ويحمده ويكبّرُه ، والمسلمون بين يديه يفعلون فعله ، فإذا انتهى أحدهم استأذن ، وانطلق إلى مقصِده . أما أبو هريرة رضي الله عنه فقد كان من فقراء أهل الصفـّة لا عمل له سوى التعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمته.
فلما انتهى المسلمون من صلاتهم وذكرِهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
يا أبا هِرّ ٍ
قال : لبيك وسعديك يا رسول الله .
قال : ادن منّي .
قال : سمعاً وطاعة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدقاتُ المسلمين في رمضان كثـُرَتْ بين يديّ ، واحتاجت إلى من يحفظها ويسهر عليها حتى يحين وقت توزيعها على فقراء المسلمين ، ورأيت أن أكلفك بذلك .
قال أبو هريرة : أرجو أن أكون عند حسن ظن رسول الله صلى الله عليه وسلم بي .
وجُمع كل شيء يأتي به الناس في مكان يُشرف عليه أبو هريرة .
فلما جنّ الليل رأى رجلاً يأخذ من الطعام ، فأمسك به أبو هريرة قائلاً : كيف تُسَوّل لك نفسك سرقة المسلمين ؟
قال الرجل : إني محتاج ، وعليّ عيالٌ ، وبي حاجة شديدة .
قال أبو هريرة : كان عليك استئذان رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الرجل : أنا فقير ذو فاقة فاعف عنّي .
قال أبو هريرة : إن عُدْت إلى مثلها أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الرجل : لا أعود إلى مثلها .
فأطلقه أبو هريرة على أن لايعود إلى السرقة .
فلما أصبح أبو هريرة انطلق إلى المسجد يؤدي الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما انتهت قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟
قال أبو هريرة : شكا إليّ حاجةً وعيالاً ، فرحمته فخلّيت سبيله ؛ يا رسول الله .
قال صلى الله عليه وسلم : أما إنّه قد كذَبَك ، وسيعود .
قال أبو هريرة يخاطب نفسه : لأرصُدَنّه ، ولأنتبهنّ إليه ، فما ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صدقاً .
وفي مثل وقت أمسِ جاء الرجل متلصّصاً يأخذ من الطعام ، فأمسك به أبو هريرة متلبساً ، وقال له : لأرفعَنّك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد أخلفت وعدك .
قال : دعني يا أبا هريرة ، فما دعاني إلى المجيء إلا شدّةُ فقري ، وكثرةُ عيالي ، وأنت رحيم ، فالطُف بي ، واطلقني .
قال أبو هريرة : عِدني أن تَصْدُقني ، فلا تعود .
قال : لك عليّ ألآ أعود مرّة أخرى ، فقد احسنتَ إليّ .
فأطلقه أبو هريرة على أن يلتزم عهده ، فلا يعود إلى السرقة .
فلما أصبح الصباح انطلق إلى المسجد يؤدي الصلاة – كعادته – مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتهت الصلاة قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما فعل أسيرك البارحة ؟
قال له أبو هريرة : رق قلبي له يا رسول الله حين تباكى ، وزعم أنه ذو حاجة وعيال ، فخلّيت سبيله على أن لا يعود .
قال صلى الله عليه وسلم : إنّه قد كذَبك، وسيعود .
قال أبو هريرة يخاطب نفسه : صدَقتَ يا رسول الله ، فما تقول إلا الحق ، ولئن قلْتَ إنه سيعود ليعودَنّ . فانتبه ؛ يا أبا هريرة وتيقّظْ .
وفي الوقت الذي جاء فيه ذلك الرجل في اليومين السابقين رآه أبو هريرة يحثو من الطعام ، فقبض عليه بشدة ، وقال :
هذه آخر ثلاث مرات تسرق ، فأضبطك ، فتزعم أنك ذو عيال وحاجة شديدة ، وأنك لن تعود ، ثم تعود .
قال الرجل : ماذا تودّ أن تفعل بي يا أبا هريرة ؟
قال : لأرفعنّك غداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال الرجل : أفتتركني إن علّمتك كلمات تقولهنّ إذا أويتَ إلى فراشك ، ينفعك الله بها ؟
قال أبو هريرة : نعم ؛ فما هنّ ؟
قال الرجل : إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ، فإنه لن يزال عليك من الله حافظ . ولا يقربُك الشيطان حتى تصبح .
قال أبو هريرة مخاطباً نفسه : أقرأ آية الكرسي ، فأُفيد بها بها مرّتين : الأولى يحفظني الله بها من السارقين ، والأخرى يحفظني الله بها من الشيطان . ..لأعفوَنّ عنه .
أيها الرجل : اذهب لا تثريب عليك .
وعندما أُذّن لصلاة الفجر انطلق أبو هريرة كعادته إلى المسجد ليصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة ، فما أعظم صلاةَ الجماعة ، وما أروعها من صلاة حين يكون الرسول الكريم إمامَها .
وحين انتهت الصلاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أبا هر ، ماذا فعل صاحبك بالأمس ؟
قال : زعم أنه يعلمني كلمات ينفعني الله بها ، فخلّيتُ سبيله .
قال صلى الله عليه وسلم : ما هي يأبا هرِّ ؟
قال : أمرني حين آوي إلى فراشي أن أقرأ آية الكرسي ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ).
قال النبي صلى الله عليه وسلم : أما إنّه صَدَقك ، وهو كذوب . .. أتعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة ؟ .
قلت : لا يا رسول الله .
قال النبي صلى الله علسيه وسلم : ذاك شيطان .

رواه البخاري
من رياض الصالحين
باب في الحث على سور وآيات مخصوصة

 


 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة العشرون
(ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)
دكتور عثمان قدري مكانسي

قال الولد لأبيه : ألا ترى إلى جارنا قد قلّ ماله ، وكاد يخسر كل تجارته.
قال الوالد : نسأل الله أن يحفظه ومالَه ، فمن علائم الإيمان – يا بني – أن تدعو لأخيك المؤمن ما ترغبه لنفسك .
قال الابن : ليس هذا ما أردتُ يا أبي ، وإن كنت أدعو له بالرزق الوافر.
قال الأب : وما الذي أردتـَه يا بني من ذلك؟
قال الابن : أردتُ أن انبهك إلى أنني طالبتُه بدين لنا عليه ، فسكتَ والألم باد في وجهه ، ثم طلب أن نؤجله قليلاً .
قال الأب : كان عليك – وقد عرفتَ حاجته – أن تـُنظره، لا أن تحرجه .
قال الابن : إن انتظارنا فترة أخرى قد يجعلنا نخسر مالنا حين يفتقر تماماً ، فرغبت استنجازه قبل أن يضيع كل شيء .
قال الأب : إنك بهذا تزيد الطين بلة ، وتؤذيه .
قال الابن : ولكنه حقنا ؛ با أبي .
قال الأب : أين أنت من وصية الرسول صلى الله عليه وسلم بالجار " حتى كاد أن يورّثه " وأين حُسنُ العِشرة؟!... إن الله يسأل عن صحبة ساعة ... أين أنت كذلك من قول الله تعالى " وإن كان ذو عُسرة فنَظِرَةٌ إلى ميسرة "؟
- الابن ساكت –
أردف الأب قائلاً : أتحب – لوكنت مكانه – أن يطالبك بمثل ما تُطالبه ؟!
- ظل الابن ساكتاً –
واستمر الأب قائلاً بصيغة السؤال : أتدري جزاء من يتجاوز عن المُعسر ؟
قال الابن متسائلاً في حياء : وما جزاؤه يا أبَتِ ، حفظك الله مربياً ومعلماً ؟
قال الأب : جزاؤه الجنة ، وقبل ذلك غفران الله وعفوه اللذان يكونان سبباً في دخول الجنة .
قال الابن : كيف ذلك يا والدي ، وضح جزاك الله الخير والجنة .
قال الأب : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه المعتاد في الروضة المشرفة بعد الصلاة يعلم الناس ، ويعظهم أن يكونوا يداً واحدة ، ومجتمعاً متكافلاً فقال :
حوسب رجلٌ ممن كان قبلكم ، كان غنياً موسراً ، آتاه الله مالاً وافراً ، فلما وقف بين يدي الله تعالى قال الله سبحانه له – وهو أعلم بما فعل - : ماذا عملت في الدنيا فيما آتيتك من مال ؛ يا عبدي ؟
قال : هل أستطيع أن اكتمك- يا رب - حديثاً ، وأنت علام الغيوب ؟ .. تعلم ما كان وما يكون ، وما لا يكون لو كان كيف كان يكون . !! كنت – يا رب – حين آتيتني مالاً أبايع الناس ، وأنت نُصب عيني ، فأعاملهم معاملة هينة لينة ، أتجاوز عن هفَواتهم ، وأتيسّر على الموسر ، وأُنظرُ المعسر .
قال تعالى : فهل مَن يشهد على ذلك ؟
قال الرجل : كنت أقول لفتاي : إذا أتـَيتَ معسراً فتجاوز عنه ، لعل الله أن يتجاوز عنا .
قال تعالى : فلم كنت تفعل هذا يا عبدي ؟
قال الرجل : ليس لي من عمل الخير إلا القليل ، فقلتُ : أُيَسّر على عباد الله ، فيُيَسّرَ الله عليّ .
قال تعالى : أنا عند حسن ظن عبدي بي ، وأنا أحق بذا منه ... تجاوزوا عن عبدي ...
فأدخلتْه الملائكة الجنّة معزّزاً مكرّما .
قال الابن : فاز الرجل إذ ِاشترى الآخرة بالدنيا .
قال الأب : أفلا تقتفي أثَره ، ونسير على خُطاه ، يا ولدي ؟
قال الابن : بلى يا والدي ، جزاك الله عني كل خير ، وأدخلني وإياك في زمرة عباده الصالحين ، وأظلّنا يوم القيامة تحت عرشه ، يوم لا ظلّ إلا ظلُّه .

من رواية البخاري ومسلم والترمذي
رياض الصالحين /باب فضل السماحة في البيع والشراء

Image

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (3)




قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (3)

 الدكتور عثمان قدري مكانسي
القصة الحادية عشرة
- ثواب العمل الصالح -

المشهد الأول :
انتصف النهار ، واشتدّت حرارة الشمس ، كان الهواء ساكناً سكوناً عجيباً غابت فيه النسمة ، فازدادت مشقة الطريق ، كان وحده يمشي ، يتقاطر جبينه عرقاً ، وينبثق من مسام جلده ، فتمتصه ثيابه حتى بدت مبللة تكاد تُعصر...
شعر بالعطش الشديد ، ولكن أين الماء ؟ لم يبق معه منه شيء... حرّك قِربته ، فلم يسمع ارتطام الماء فيها ، وضع فوّهتها على فيه فلم تبِضّ بقطرة ... بدا لعابه يقِل ، وفمه يجف ، وشفتاه تتشققان ...
بحث حوله فهُيّئ له أن رأى ماءً ... فلما قصده لقيه سراباً .. بدأت عيناه تريه كل شيء أمامه أنهاراً سَرعان ما تتبخر حين يُسرع إليها ... سأل الله حُسْن الختام ... وحين كاد يسقط على الأرض رأى على مدىً قصير منه حافة بئر ... يا ألله ؛ أحقاً ما يراه أم هو يتخيّل ؟
شد عزمه ، وبادر بخطاً ثقيلة نحوه ... وصله وأطلّ عليه فرأى صورته . ورمى فيه حجراً فأسمعه صوت ارتطامه بالماء ... نزل وشعر بالبرودة تدغدغ جسمه ... لقد وصل إلى الماء ... ووضع فمه على صفحته ، وعبّ منه كثيراً حتى ارتوى ...
لم يشعر بعد ذلك بشيء ... أمَرّ عليه وقتٌ طويل وهو نائم ؟ إنه لا يدري ... لكنه أحسّ بالعافية تسري في بدنه ، لقد عادت إليه الحياة " وجعلنا من الماء كل شيء حيّ " .. وقبل أن يخرج من البئر شرب كثيراً حتى كاد الماء يخرج من عينيه وأذنيه وأصابع يديه !! لكنه كان قد رمى قربته في الطريق فأضاع فائدة كبيرة .
لم يبتعد عن البئر كثيراً حين رأى كلباً يلهث ، يأكل الثرى من العطش ، إنه قرب الماء ، لكنْ لا يستطيع النزول إلى البئر . .. لقد بلغ العطشُ بالكلب مثل الذي كان بلغ منه ، فأخذته الرأفة ، وهمّ أن يسقيه ، فماذا يفعل ؟! إن الكلب لا يستطيع النزول إلى الماء ، وليس معه قربته أو إداوته ، ليس معه شيء يحمل فيه الماء ليسقي الكلب العطشان . يجب أن يسقيه ، فماذا يفعل ؟
هداه تفكيره بل هداه الله تعالى حين رأى رحمته بالحيوان إلى أن ينزل البئر ، فيخلع حذاءه ويملأه ماءً ويحمله بفمه ، ويصعد، فيسقي الكلب . ... أعاد ذلك مرات ، حتى رأى ذلك الحيوانَ الأعجم ينصرف عنه مبتعداً وينظر إليه نظرات ملؤها الاعتراف بالجميل والفضل والشكر الجزيل ... فقد أنقذه من الموت .
حمد الرجل ربه لنفسه ، وحمِده لهذا الحيوان ، ... ولم يكن الله سبحانه غافلاً عما فعله الرجل ، فأكرمه غاية الإكرام ، ورحمه واسع الرحمة ..
أتدرون كيف رحمه وكافأه؟ لقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الله غفر له كل ذنوبه ، وأدخله الجنة دون حساب .
يا ألله ، يا ألله ، يا ألله ؛ أنت الرحمن الرحيم .. اغفر لنا ذنوبنا ، وعافنا واعف عنا . يـــارب .
متفق عليه
رياض الصالحين / باب في بيان كثرة طرق الخير

المشهد الثاني :
إنه مسلم يحب الخير لإخوانه في العقيدة ، ويرجو لهم السلامة ، ويسأل الله من كل قلبه أن يحيا المسلمون في أمن وأمان ، لا يعكر صفوَهم كدرٌ ، ولا يَشوب حياتهم شائبةٌ ، فالمجتمع المسلم حين يكون متحابّاً متآلفاً ولُحمة واحدةً يكون قوياً متماسكاً ...
لقد رآه الرسول صلى الله عليه وسلم في الجنة ، ولمّا يعملْ بعدُ العملَ الذي يؤهلُه أن يكون هناك في رَبَضِها ، وفي رحمة الله وفضله ، ينعم فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلب بشر .
بلى إن الله تعالى يُدخل المسلم الجنة على عمله الخالص ولو كان قليلاً ، بل إنه يدخله الجنة على نيّتة الخالصة الصادقة ، ولمّا يعملْ بها .
وكانت نيّة هذا المسلم صادقة خالصة لوجه الله الكريم ، وكان عملُه يدل على ذلك . وهل أفضل من أن يكون المسلم في خدمة إخوانه يهتم بأمنهم وسلامتهم؟!
لقد مرّ بغصن شجرة على ظهر طريق ، أشواكُه تؤذي المسلمين ، يمر أحدهم دون أن ينتبه ، فيخمشه الغصن ، أو تلسعه أشواكُه ، أو تمزّق ثيابه ، أو ينتبه له ، فيتنحّى إلى زاوية ضيقة ، ولعلّ وراء الغصن حشرة سامّةٌ ، أو فوقه تغتنم دُنُوّه منها ، فتلسعه .
فكّر في كل هذا ، فعمد إلى الغصن ، فقطعه ، وحمله بعيداً عن الطريق ِ طريق ِ المسلمين . فاستحق بذلك رحمة الله تعالى ، ورضوانه وجنّةَ الخلد ونعيمها .
رواه مسلم

رياض الصالحين / باب في بيان كثرة طرق الخير
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثانية عشرة
- إنه شفيعُنا: صلى الله عليه وسلم –
دكتور عثمان قدري مكانسي

قال التلميذ لأستاذه : ما يفعل الله بالناس يوم الحشر؟
قال الأستاذ :
يجمع الله تعالى الناس ومعهم الجن والحيوان والطير ، وتحيط بهم الملائكة ، وتقترب الشمس منهم قدْر ميل .
قال التلميذ : وهل يتحملون ذلك الحرّ يا أستاذ ؟!
قال الأستاذ :
الناس هنالك على قدر إيمانهم وأعمالهم . فمنهم من يصل عَرَقـُه إلى كعبيه ، ومنهم إلى ركبتيه ، ومنهم من يصل العرق إلى صرته ، ومنهم إلى أثدائهم ، ويصل العرق ببعضهم إلى فمه ، يكاد يُغرقـُه .
قال التلميذ : أهنالك يحاسبهم الله على أعمالهم ؟
قال الأستاذ :
لا ؛ إن يوم القيامة مواقف ، والحشر انتظار يطول على الكافر والعاصي ، أما المؤمن فإن الله يُظله تحت ظله ، يوم لا ظلّ إلا ظلُه .
قال التلميذ : ماذا يفعل الناس بهذا الموقف ؟
قال الأستاذ :
يشتدّ على الكافرين ما هم عليه ، ويحسبون أنه العذاب الشديد . فيدعون ربّهم أن يخلصهم منه ولو إلى جهنّم .
قال التلميذ : وهل العذاب في جهنّم أقل سوءاً؟! .
قال الأستاذ :
بل أشد بكثير ، إنما طول الموقف وشدّتُه عليهم يدفعهم إلى التعوّذ منه والتخلّص من بلواه ، ولو إلى ما هو أشدّ منه .
قال التلميذ : ما يفعل المؤمنون في ذلك اليوم العصيب؟.
قال الأستاذ :
إنهم أيضاً يرجون الخلاص منه حين يقربهم الله تعالى إلى الجنة فيرونها ويرجونها مشتاقين إليها .
قال التلميذ : فماذا يفعلون إذاً ؟ .
قال الأستاذ : يذهبون إلى أبيهم آدم يستشفعون به عند ربهم ، ليفتح لهم الجنّة .
قال التلميذ : فهل يفعل آدم ذلك ؟
قال الأستاذ :
يقول آدم : أتريدون دخول الجنة بشفاعة أبيكم ، وهو الذي أخرجكم منها حين عصى أمر ربه فأكل من الشجرة ؟! .. لست صاحب التشريف بهذا المقام المنيف ، اذهبوا إلى ابني إبراهيم خليل الله ، فلعله يشفع لكم عند ربكم .
قال التلميذ : فهل يذهبون إلى إبراهيم ، فيجيبهم ويشفع لهم ؟
قال الأستاذ :
يذهبون إليه حقاً ، ويقولون : يا خليل الله استفتح لنا الجنة ، فيقول : معتذراً لست صاحب تلك الدرجة الرفيعة التي تؤهلني لما تطلبون . .. يقولون : ولكنّك خليل الله ؛ ألم يرفع ربك مقامك حين قال : " واتخذ الله إبراهيم خليلاً " ؟! .. فيقول : بلى : كنت لله خليلاً ، ولكنه سبحانه لم يكلمني ولم أره . إنما كان ذلك عن طريق سفيره جبريل .
يقولون : فماذا نفعل ، وإلى من نذهبُ؟ .. فيقول إبراهيم الخليل : اعمدوا إلى موسى ، فقد كلمه الله تكليماً دون وساطة ، واصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه ، فأنا وراءه في المنزلة ، ووراءَ منْ وراءه .
قال التلميذ : وهل يذهبون إلى موسى ، ويسألونه أن يشفع لهم بدخول الجنّة ؟ .
قال الأستاذ : لقد ذهبوا ، وسألوه الشفاعة ، وذكّروه بمكانه من الله تعالى .
قال التلميذ : فبم أجابهم ؟ هل شفع فيهم عند الله تعالى ؟
قال الأستاذ :
أجابهم بما أجابهم به من قبلُ آدمُ وإبراهيمُ : لست بذلك المقام الذي يؤهلني لما طلبتم ، فاذهبوا إلى عيسى بن مريم ، فإن كان الله قد كلّمني فهو كلمته ألقاها إلى مريم ، وروح منه.
قال التلميذ : فما تقصد - يا أستاذ – من قول موسى : إن عيسى كلمة الله وروح منه؟ .
قال الأستاذ :
أما كلمته فقد أوجده دون أب بكلمة " كن " وهذا أمر بديع عجيب . خالف فيه سبحانه سنّتَه ليكون عيسى حجة الله على عباده ، كما جعله يتكلم وليداً .
وأما روحُه فقد جعله ذا روح وحياة دون ماء يجري في رحم أمه ، وأحيا به الموتى فكلموا الناس .
قال التلميذ : فهل يتوسط لهم ، ويسأل الله تعالى أن يفتح لهم الجنّة ، وينقذهم من شدّة الموقف؟
قال الأستاذ : لا ؛ إنما يجيبهم بما قاله لهم آدم وإبراهيم وموسى : لست أهلاً لتلك الدرجة الرفيعة ، إنها ليست لي .
قال التلميذ : فإلى أين يذهبون ؟ وعلى من يُعَوّلون ؟
قال الأستاذ :
وهل هناك غير رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ؟ لقد دلّهم عليه عيسى عليه السلام قائلاً : إنه الشفيع المشفـّع ، صاحب لواء الحمد والمكانة السامية التي لا يرقى إليها أحد . إنه من كلم الله في السموات العلا حين عرج إليها ، ورأى نوره سبحانه ، فأين الأنبياء منه ، وإن عَلَوا ، والمرسلون ، وإن سَمَوا ؟!
قال التلميذ :
فماذا يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يذهبون إليه ، يستشفعون به ، ويستفتحونه ؟ .
قال الأستاذ : يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا لها ، أنا لها .
وينطلق إلى مقدمة العرش ، ويسجد لله سبحانه ، ويفتح الله تعالى عليه بمحامد يحمد بها الله تعالى ، لم يفتح عليه بها من قبل . يقول سبحانه وتعالى : قم ؛ يا محمد ؛ واشفع تُشَفع ، وسل تعطه ، واطلب يُستجب لك .
قال التلميذ : يا أستاذي الكريم ؛ لِمَ لمْ يدلهم الأنبياء عليه ابتداءً ؟.
قال الأستاذ :
أحسنت يا بني ، إنك لبيب أريب ، سألتَ سؤالاً يدل على ذكاء وبُعد نظر ، إن تعليل ذلك من جوانب عِدّة ، منها :
أولاً : أن الموقف عظيم ، وأنهم – وإن كانوا أنبياء ورسلاً عظاماً – فلكل درجته ومقامه الذي يقف عنده لا يتعدّاه .
ثانياً : أن كل واحد منهم حين يقدّم غيره إنما يُظهر فضله وعلوّ مكانته بما اختصّه الله به .
ثالثاً : أن الحكمة في إلهام الناس سؤالَ آدم والبدء به ، ثم الانتقال إلى مَن بعدَه ، واعتذار كل منهم بأنه ليس أهلاً لذلك إظهارُ كمال شرفه صلى الله عليه وسلم على سائر الرسل . إذ لو جاء الناس إليه أوّلاً ، وأجابهم ، وشفع فيهم ، لم يظهر كمال التمييز . إذ كان احتمال أن هذا الأمر له ولغيره من الرسل . فلما تأخر كلٌّ عن ذلك ، وتقدم هو له عُلم أنه السيّد المقدَّم صلى الله عليه وسلم .
رابعاً : ويُحتمل أنهم علموا أن صاحب الشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فتكون إحالة كل واحد منهم على الآخر على سبيل التدريج إليه ، وإظهار فضله .
خامساً : أن الأخير وإن كان أفضل فمن الخير تقديم الأجداد والآباء على الأبناء.
سادساً : لإظهار أهمية الموقف وفضل الشفاعة ، فإن الناس لو نالوها مباشرة لم تظهر أهميتُها وعظيمُ أثرها .
قال التلميذ : إيهِ يا أستاذي الكريم ؛ إني لمتشوق لمعرفة ما يحصل بعد ذلك .
قال الأستاذ : حينئذ يرفع الرسول الكريم رأسه ويسأل الله تعالى أن يجوز الناس الصراط إلى الجنة.
قال التلميذ : وما الصراط يا استاذي ، وما أهمية ذلك ؟
قال الأستاذ :
إنه الجسر الذي ينصب فوق جهنم يقطعه الناس إلى الجنة ، فأما من ثقلت موازينه فقد أفلح ، وأما من خفت موازينه فقد سقط في جهنم ، والعياذ بالله .
قال التلميذ : فكيف يجوزه الناس يا أستاذ ؟
قال الأستاذ : حين يُنصب الصراط تقف الأمانة عن يمينه ؛ والرحم عن يساره – لعظم أمرهما وكبير أثرهما – يُصَوّران شخصين على الصفة التي يريدها الله تعالى ... فمن أدّى الأمانة إلى أهلها ، وكان عفّ اللسان ، طاهر القلب ، نقيّ السريرة ، يؤدي فرائضه ، ويعمل بما أمر الله تعالى ، وينتهي عن نواهيه ، يعين على نوائب الحق ، ويساعد المحتاجين ، ويكف أذاه عن الناس . ومن كان يصل رحمه فبرّ أباه وأمه ، وأحسن إلى إخوته وأهله وعشيرته ، وعفا عمّن ظلمه ، ووصل حبال من قطعه جاز الصراط ، ووصل إلى الجنّة . ومن كان خلاف ذلك هوى في نار جهنم .. نسأل الله العافية .
قال التلميذ : فكيف يمرّ الناس على الصراط؟
قال الأستاذ :
أحسنتَ يا بني في سؤالك هذا ... يمر الناس على الصراط حسب أعمالهم ، فمن كان وليا لله ، مقيماً لشعائر دينه ، مجاهداً في سبيل الله ، باع الدنيا ، واشترى الآخرة جاز الصراط كالبرق – طرفة عين – وهؤلاء هم الصفوة المختارة الذين يمرون دون أن يشعروا أنهم مروا لسرعتهم . فما أكرمهم على الله ؟!.. ثم تأتي الفرقة الثانية ، فيمرون على الصراط سرعةَ الريح ... ثم تأتي الفرقة الثالثة ، فيمرون على الصراط سرعةَ الطير ... ثم تقل المراتب والأعمال ، فيكون المرور على الصراط مناسباً لأعمالهم .
قال التلميذ : وأين رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ذاك ؟
قال الأستاذ : إنه عليه الصلاة والسلام قائم على الصراط يدعو الله النجاة لأمته قائلاً : ربِّ سلّمْ سلّمْ ، والأنبياء تقول مثل هذا همساً . لهول الموقف وشدّة وطأته . حتى تعجز أعمال العباد .
قال التلميذ : فماذا بعدُ يا أستاذُ ، أرجو أن توضح أكثر .
قال الأستاذ : لا يبقى سوى العاصين ، وعلى جانبي الصراط كلاليب من حديد معقوفة الرأس ، فمن كان قليل العصيان سار سيراً حثيثاً ، ولربما أصيب بأذىً ، فخدشته الكلاليب ، لكنه ينجو من النار ولهيبها . ومنهم من يكون بطيئاً في سيره ، وبعضهم لكثرة ذنوبه لا يستطيع السير إلا زحفاً والكلاليب تأكل من جسمه وتزعزع أركانه، لكنّ الله ينجيه ، فهي لا تعلق إلا بمن أُمرت به ، فتلقيه في أتون جهنم .
أما الجبابرة والمتغطرسون من أمة الإسلام فتلقي بهم الكلاليب في قعر جهنم والعياذ بالله .. أتدري متى يصل الذي تعلق به الكلاليب فتكردسه إلى قعرها ؟! بعد سبعين سنة من سنواتنا هذه ، نسأل الله العافية .
أما الكفار فيُؤخذون مكبلين إلى جهنم ليخلدوا فيها أبد الآبدين ....
قال الأستاذ والتلميذ :
اللهم إنا نسألك الجنة ، وما قرّب إليها من قول أو عمل ،
ونعوذ بك من النار ، وما قرّب إليها من قول أو عمل .
اللهم ارحمنا ، فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا ، فإنك علينا قادر .

رواه مسلم
رياض الصالحين / باب الأمر بأداء الأمانة
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثالثة عشرة
" العبد الصالح جُرَيج "
دكتور عثمان قدري مكانسي

روى هذه القصة أبو هريرة رضي الله عنه إذ سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم . فمن جريج هذا ؟
أنصت الرجال المتحلقون حول حبيبهم المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وأرهفوا السمع ، وحبسوا أنفاسهم ، حين بدأ يحدثهم عن جريج العابد هذا ، فقال :
إن جريجاً كان رجلاً راهباً في صومعة له يعبد الله ، ويتبتل إليه ، انقطع عن الدنيا ، وأخلص وقته ونفسه لله تعالى ، وكانت صومعته على صخرة عالية في الجبل ، وتحتها كهف يأوي إليه أحد رعاة البقر ، فيَقيل ، ويُمسي .
جاءت أم جريج مرة وهو يصلي ، فدعته ، وكان عليه أن يجيب دعاءَها ، فقال في نفسه : أيهما أفضل يا ترى ؟ الاستمرارُ في الصلاة وأنت واقف بين يدي الله تعالى أم قطع الصلاة وإجابةُ دعوة الأم؟!! لم يكن يدري ما يفعل ... إلا أنه آثر إتمام الصلاة رغبة في تمام الثواب ... وسوف يفرغ لأمه يبرُّها ... نعم لن يضيع الصلاة ؛.. وإرضاء الوالدة بعد ذلك أمر يسير ، وهو بذلك ينال أجرين ! هكذا فكر جُرَيْج ..
وعادت الأم تنادي : يا جريجُ؛ رُدّ عليّ يا بني ؛ أنا أمك أناديك ، فهلمّ إليّ .. إجابتي خير لك في الدنيا والأخرة ...
لم يكن جريج يدري أن ترك النوافل والمبادرة إلى إجابة والدته أفضل القرُبات عند الله ، فعزم أن يستمر في الصلاة .. ولا شك أن الله يعلم أن جريجاً يحب والدتَه ، ويودّ بـِرّها ، ولكنّه في الصلاة ! - والصلاة وقوف بين يدي الله – وهل أفضل من الوقوف بين يدي الله سبحانه ؟!
إنه ليس عاقـّاً ، وسيجيب والدته حين يفرغ من صلاته ... هكذا اجتهد للمرة الثانية . وحين نادته مرة ثالثة وأخيرة فلم يردّ وآثر الاستمرار في الصلاة ، فأبطا عليها ، بل لم يجبها قالت حزينةً دامعة العينين متأثرة بصدّه -المؤقت لها – وفي سَورة غضبها : لا أماتك الله يا جُرَيجُ حتى تنظر في وجه المومسات .
وجه المومس ليس فيه طهر ولا نقاء ! دنس الزنا يُذهب رُواءَه ، ويُطفئ نورَه ، ويترك عليه مسحة من سواد تنفر منه النفوسُ الصافية والقلوبُ المؤمنة ، وتستعيذ منه الأرواحُ الشفافة والأفئدةُ الطاهرة.... وأين يرى المومساتِ وهو لا يدري بما يجري حوله ؟ ! إنه لا يخرج من صومعته إلا لِماماً .
لم تكن الأمّ تريد أن يُصيبَ ولدَها مكروهٌ ، ولكنْ سبق السيفُ العَذَلَ ، وسبق لسانُها إلى الدعاء . وكأن دعاءها قد وجد أذناً من الله سميعة ... انصرفت الأم بعد أن دعتْ ... ونسيتْ .. ولكنّ الله لا ينسى ، ولم يكن لينسى دعاء الأم ، فلا بد أن يعاقَبَ العاقّ جزاءً وفاقاً ... ولكنْ كيف؟!
تذاكر بنو إسرائيل جُريجاً ، وعجبوا من كثرة عبادته وشدّتها ، وقَصَده الناسُ من كل حَدَب وصوب، فذاع صيتُه ، وتدافعوا إلى صومعته يلتمسون بركتَه ، ويسألونه أن يدعوَ لهم .
وكانت امرأة بغيّ يُتمثّل بحسنها ، قالتْ : إن شئتم لأفتِنَنّه !.
قالوا لها : لا تستطيعين ، إنه لا يلتفت إلى النساء .
قالت متحدّية : ومنذا يقف أمام جمالي وإغرائي ؟!
قالوا : إن كنت واثقة بنفسك فافعلي .
تزينت له ،وحملها الشيطان على جناح الفتنة إلى صومعة جُريج ، وجهدتْ في التعرّض له ، فتمنّع عليها ، وجدّتْ في إغوائه ، فاستعاذ بالله منها ، حاولت بكل فتنتها ومكائدها أن يسقط في مصائدها فارتدّت خائبة ، فلما شربت من كأس اليأس وسقطت في تحديها - فليس كل الناس سواء = نزلت إلى راعي البقر في كهفه أسفل الصومعة ، فمكّنته منها . .. أسلمت راعي البقر نفسها وهو الذي لايأبه له أحد ، ولا يملأ عينَ من يراه ، وهي الجميلة الفاتنة التي يخطب الكبراء ودّها ويركعون تحت قدميها ، ويبذلون أموالهم كي ترضى عنهم فيظفروا بها ! إن تمنّع الراهب أحبطها وجرح كبرياءها ، فارتمت عند أول لاقط لها حنقاً من الراهب وشعوراً أن هناك من يريدها ، ويسارع إليها ..
إن المومس حين زنا بها الراعي حملت منه ، ثم ولدت صبياً يجهل الناس أباه ، فمن أبوه يا ترى ؟ لم تذكر المرأة اسم الراعي ، فهو أبو ابنها الذي تحبه وأباه ، ولا ترضى العقاب للراعي الذي ارتبطت به ، فأثمر هذا الارتباط الخاطئ ولداً . إنها تريد إبعاد التهمة عنه لتوقع بمن مرّغ كبرياءها ، ولم يلتفت إلى إغرائها وفتنة جمالها . .. ووجدت الفرصة سانحة ، فقالت أمام الملك : إنه جُريج ؛ ذلك الذي يلبس مسوح الرهبان ، ويتستر وراء سياج العفاف ! !..
وأبلس القوم ... جريجٌ يفعل هذا ؟! أمن المعقول أن يكون ظاهره غير باطنه؟! وهل يمكن لهذا الرجل الصالح أن يقع في الزنا ؟! ... ويتهامس القوم غير مصدّقين .
قال الملك مستغرباً : أصاحبُ الصومعة؟!
قالت : نعم ؛ ألم يرني أحدكم تلك الأيام أختلف إلى صومعته؟
لا شك أن بعضهم رآها تقصد الصومعة في أوقات مختلفة .. لا بل تقصد مما تحت الصومعة إلى الراعي ... وأنّى لهم أن يعرفوا الحقيقة ؟
ثار الناس وتصايحوا .. وغضب الملك ، وازداد غضبه .. لماذا ؟ لأنه فوجئ بمن يزني وهو متزيّ بزيّ الصالحين . ..
وفي سورة غضبه أمر أتباعه بهدم الصومعة ، وجر جريج مهيناً إلى مجلس الملك . ففعلوا ، وربطوا يديه بحبل إلى عنقه كما يُفعل بالمجرمين ، وضربوه وأهانوه ...
ومرّ في طريقه على المومسات ، فرآهنّ يبتسمن وهنّ ينظرن إليه في الناس . وصدقتْ دعوةُ أمه فيه ، فقد رآهنّ يشمتن به ، ويهزأن منه ، وكأنّهنّ يقلن في أنفسهنّ : تدّعي الصلاح جهراً ، وترتكب الموبقات سرّاً ؟ فنحن إذن أطهر منك ،،،، سرُّنا كعلانيتنا .
قال جريج متمتماً : حسبي الله ، ونعم الوكيل ... اللهم أنقذني مما أنا فيه ، وأعنّي على برّ أمي .
قال الملك : أعرفتَ ما تزعم هذه المرأة ؟
قال : وما تزعم ؟
قال الملك : تزعم أن ولدها منك .
قال جريج : أنتِ تزعمين ذلك ؟!
قالت : نعم ؛ .. يا ويلها إنها تكذب ، وتصر على الكذب ، وتودّ في سبيل الراعي ونفث حقدها أن ترمي به في المهالك .
قال جريج : أين الصغير ؟
قالوا : هو ذا في حُجرها .
قال : دعوني حتى أصلّي ، فما أقرب الإنسان إلى الله وهو ساجديسترحمُه ، ويستنقذُه ، ويسكب العبرات في حضرته ، ويبتهل إليه سبحانه ، فهو كاشف الضر ، ومنجي الصالحين .
إن الله تعالى بعد أن أخذ بحق أمه وأجاب دعاءَها لم ينسَ عبادةَ جريج ولا صلاحه . وهو سبحانه يعلم مقدار حب جريج أمَّه .. وأنه اجتهد ، فاخطأ . ولعلّ في هذا درساً وعبرة أيما عِبرة . فشاء – سبحانه – إنقاذ جريج ورفع منزلته ، فليس الظلم من صفاته سبحانه جلّ وعلا .
أقبل جريج بعد أن فرغ من صلاته حتى وقف على الطفل ، وطعنه بإصبعه في بطنه ، وسأله على مسمع من الملك وأركان ملكه واثقاً من نصر الله له ورحمته به : من أبوك ؟
وهنا كانت المفاجأة التي وجفت لها القلوب ، وتسمرت لها الأقدام ... لقد أنطق الله الطفل ابن الأيام ، فقال : إنه الراعي ... راعي البقر الذي استغل المكان الطاهر في آثامه ونزَواته ، وخلا بأمه ، فكان الطفل ثمرة الزنا .
وانقلب الأسير حراً ، والمهينُ عزيزاً .
أسف الملك لسوء ظنه بالراهب الطاهر ، وندم على إهانته إياه ، ورغب معبراً عن ندمه هذا أن يعيد بناء الصومعة من ذهب .... صومعة من ذهب؟! .. إن بريق الذهب يُذهب بريق القلوب .
قال : لالا ، لا أريدها من ذهب .
قال الملك : من فضة إذاً .
قال : لالا ، إن لمعان الفضة يحجب الحقيقة عن القلوب .
قال الملك : ممَّ نجعلها إذاً ؟ .
قال جُريج : ردّوها كما كانت ، فهذا أدعى إلى السكينة والصفاء .
إن بهرجة الدنيا تشغَل القلوب ، وتُثقل الأرواح ، وتقيّد النفوس .
ثمّ تبسّم جُريج ... وعجب الحاضرون إذْ تبسّم . لا بدّ أن أمراً ما استدعى الابتسام ...
نعم ، لقد أدرك جُريْج أن الذي أدّى إلى هذا الموقف العصيب الذي كاد يعصف به لولا أن تداركته رحمة ربه دعوةُ الأمّ أن يرى وجوه المومسات .... ولم يكن بدّ ٌ أن يراها .
فدعوة الأم أحقّ أن تُجاب .

متفق عليه
رياض الصالحين ، باب فضل ضعفة المسلمين ، والفقراء الخاملين .
الأدب المفرد للبخاري ص20 الحديث 32
 

 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الرابعة عشرة
السرابُ الخادع
دكتور عثمان قدري مكانسي

حملت الأم رضيعها ، ودلفت من الباب مسرعة إلى دار والدها ، ففي مثل هذه الساعة من يوم الأربعاء كل أسبوع يلتقي الإخوةُ هناك سويعاتٍ يُعيدون ما انقطع من ذكرياتهم قبل أن يتزوجوا ، ويُضفون على والدَيهم السرور والسعادة حين يجتمعون إليهما ، وهم حريصون على برّهما والإحسان إليهما .
بكى رضيعها بكاء مرّاً ، فهدهدَتـْه وهي مسرعةٌ ، فلم يتوقف عن البكاء ، ناغته ، فارتفع صوتـُه . قالت : فلعلّه جائع ...
انزوتْ ركناً من الطريق ، وجلستْ على حجر رأتْه هناك ، وألقمتْه ثديَها . لقد كان جائعاً وطمآن حقاً ، فلقد سكت ، وانشغل بالرضاع .... نظرت إليه نِظرة الحنان والحب . وهل هناك أشدّ رأفة من الأم على وليدها ؟.... ودعت الله أن يجعله رجلاً صالحاً مهيباً ، يملأ العين ..
قبّلتْه ومسحت على رأسه ، ثم أقبلتْ على الطريق ترصد المارين ، وتسلي نفسها إلى أن يشبع ولدها .
وفجأة رأت فرساً فارهة ، أقبلتْ تخُبّ بصوت رتيب موسيقيّ ، جسمها متين ، كأنه قطعة من حديد ، ضخمة كأنه جدار عال ، يمتطيها رجل بدَتْ عليه أماراتُ الصحة والعافية ، وسيم الطلعة ، نضر الوجه ، يلبس ثياباً جديدة تزيده بهاءً وجمالاً .
قالت وهي تنظر إليه ، وقد بهرها ما رأتْ : اللهم اجعل ابني مثل هذا .
يا للعجب ؛ لقد ترك الرضيع ثديَ أمه ، وكأنه فهم ما قالت، ونظر إلى الرجل يتفحّصُه ، ويُدير فيه عينيه ، ثم نطق قائلاً : اللهم ، لا تجعلني مثله ... ثم أقبل على ثدي أمّه ، فجعل يرضع .
تعجّبت الأم حين سمعت ابنها يتكلم ، إنه لم ينطق بغير هذه الكلمات . ثم داخَلها الشكُّ : أحقاً ما سمعته أم إنها حالمة ؟! وهل ينطق ابن أشهر بكلمات الكبار ، ويفصح عمّا يريد ؟ ...إنه لأمر عجاب !.
وعادَتْ تنظر إلى الناس ، وقد نسيت أو تناست ما سمعت . فرأت رجالاً يضربون فتاة ، ويقولون : زنَيْتِ ، سرقـْتِ . والناس مجتمعون حولها ، لا يرأفون بها .. ومن يرأف بفتاة زانية سارقة؟... وكانت الفتاة حزينة ، باكية ، كاسفة البال ، تشكو إلى الله ظلم العباد ، وتقول : حسبي الله ، ونعم الوكيل .
قالت الأم وهي تنظر متقزّزة ؛ تستنكر أن تزني المرأة الحرّة وتسرق : اللهم لا تجعل ابني مثلها .- وهذا الدعاء من أم تود الخير لولدها فطْريٌ في كل امرأة ... يا سبحان الله ؛ إن الطفل يترك الرضاع ، وينظر إلى الفتاة يتفحّصها ... ثم يقول : اللهم اجعلني مثلها .... ثم يعود إلى التقام ثدي أمه .
أما الأم الآن فقد تيقـّنَتْ أن ابنها الصغير يتكلم ، وأنه هو الذي دعا الله أن لا يكون مثل ذلك الرجل صاحب الفرس . فسألتْه : يا بنيّ لِمَ رفضْتـَه ، ورضيت أن تكون كهذه الفتاة ؟ !.
وهنا علّل الرضيع بأوضح كلام ، وأفصح بيان :
يا أماه ؛ أما الرجل فهو جبّار متكبر ، يرى الناس دونه ، ومن كان هكذا فالنار مأواه . فهل تريدين أن أكون مثله ، وانتهي إلى ما سينتهي إليه ؟!!
وأما الفتاة فطاهرة اليد عفـّة النفس ، ليست بزانية ولا سارقة ، اتهمها الناس بذاك زوراً وبهتاناً ، فهي تنفي عن نفسها ما يَشينُها ، وهل تفعل الحرّة المؤمنة ما يُسيء إليها ؟!!
لا ينبغي – يا أماه – لذي العين البصيرة والعقل الواعي أن يُؤخذ بالمظاهر الكاذبة ، وأن يخضع للادّعاءات الضالّة ، إنما عليه أن يتحرّى الصدق كي يكون على هدىً مستقيم .

متفق عليه
رياض الصالحين ، باب ضعفة المسلمين والفقراء الخاملين

 


 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الخامسة عشرة
رب رحيم
دكتور عثمان قدري مكانسي

بعض الناس يعيشون دون وازع من دين يردعهم عن الوقوع في المعاصي ، هؤلاء عشعش الشيطان في قلوبهم ، وباض وفرّخ ، فلا يستطيعون الخروج من مستنقع الفساد ، ولا يريدون الخروج منه .
فليست قصتنا عن هؤلاء ، فإن انتقل بعضهم إلى معسكر الإيمان فهم قليل .
أما هذه القصة فعن المؤمن الذي يحب الله ويخافه ، ويبذل جهده لإرضائه ، يأتمر بأمره ، وينتهي عن نواهيه ، فإن زلّ وأذنب ، فالتوبة تمحو ذنبه ، وتغسله من درنه ، فيلحق بركب الصالحين .
فقد ذكر الرسول الكريم محمد صلوات الله عليه وسلامه أن رجلاً مؤمناً وقع في إثم ، فأحس بالضيق ، وندم على ما فعل ، وأسف على ما فرّط في جنب الله ، فماذا يفعل؟
إن المسلم حين يكبو به فرس إيمانه ، فيقع في حفرة لم ينتبه إليها ندّت عن درب الإيمان سرعان ما يلملم نفسه ، ويستعين الله ، ويتوب إليه من ذنبه ، سرعان ما يتجه إلى خالقه يذرِف دموع الندم ، ويعاهد الله أن لا يقع مرة أخرى فيما يغضب الله تعالى ، ويسأله الصفح والغفران ، ويرجوه طيّ تلك الخطيئة ، بل التجاوزَ عنها ، بل محوَها من سجلـّه كي يعود نظيفاً ، وأن يبعد عنه وسائل الغواية ، ويهديَه سبيل الرشاد ، يلتجئ إليه وحده ، فهو غفـّار الذنوب ، ستـّار العيوب .
يا رب اغفر ذنبي ، واستر عيبي ، وارحم ضعفي بقوتك ، وتجاوز عن ذنبي بحلمك وعفوك ، أنت ربي تباركت ، وتعاليت .
ويرتفع الدعاء مصحوباً بالندم والاستغفار ، مخترقاً الحجُب إلى عالِم الغيب والشهادة ليقف أمام السيّد المطلق يعلن توبة َصاحبه وإنابتـَه .
ويفرح الله تعالى بتوبة عبده ، ولَفـَرحُه – سبحانه – أشد من فرح الرجل الذي عادت إليه ناقتـُه - في صحراء مترامية الأطراف ، فأيقن بالهلاك – فعادت إليه الحياة .
فقال تبارك وتعالى " أذنب عبدي ذنباً ، فعلم أن له رباً يغفر الذنْب ، ويأخذ بالذنب ، فغفر له "
وعاد الرجل المؤمن ، فضعف أمام مُغرِيات الحياة ، وزلت قدمه في حفرة الخطأ ... سقط وهو يعلم أنه نكث العهد الذي قدّمه أمام توبته .. لم ييئس أمام ضعفه وضغط الماديات والمغريات حوله ، فأحس بالندم الحقيق ، وتمسّك بالعُروة الإيمانيّة الوثقى ثانية ، وبكى ، ولجأ إلى الركن الركين والملاذ الحصين ، يسأله العفو والغفران وستر العيوب والنقصان .
وارتفع الدعاء إلى الطبقات العلا يستمطر الرحَمات ممن بيد النواصي ، يعلن توبة صاحبه وإنابتَه .
فيقول الله تعالى – سبحانه من رب رؤوف رحيم عطوف !- : أذنب عبدي ذنباً ، فعلم أن له رباً يغفر الذنـْب ، ويأخذ بالذنـْب ... فغفر له " .
خُلق الإنسان من عَجَـل ، فكان نقصُه واضحاً . ولا يظهر الخطأ إلا من النقصان . فإذا لاذ الضعيف الناقص بالقوي الكامل ارتفع عن سفساف الأمور ، ودنا من العصمة والثبات ... ولكنّ الضعيف إن فتر عن المتابعة – وهذا دأْبه – عاد إلى الخطأ . فإن وقع فيه نبّهَتْه فطرتُه الإيمانيّة التي فطره الله عليها ، فعاد إلى الصواب يستغفر الله ويرجو عفوَه ، فهو – الإنسان – دائم العودة والإنابة ، ينزع إلى خالقه يحتمي بحِماه ، ويرجو فضله ، فيجيبه الله تعالى بحنوٍّ وعطف وحنان : " أذنب عبدي ذنباً ، فعلم أن له رباً يغفر الذنب ،ويأخذ بالذنب ، أقـْبـَلـُه إن عاد ، وأدعوه إن بَعـُد ، أغفر زلاتِه ، وأجيبُه إن دعاني ، قد غفرتُ لعبدي ، فليفعلْ ما يشاء .

متفق عليه / رياض الصالحين / باب الرجاء

Image

قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (2)



قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم (2)

الدكتور عثمان قدري مكانسي

القصة السادسة
الملك الزاهد في ملكه

قال التلميذ لشيخه ، وقد جلس بين يديه صباح يوم صيفي جميل ، بعد أن انتهى الناس من صلاة الفجر : يا مولاي لمَ تقوم الشعوب في كثير من الأحيان بثورات على حكامهم ؟
قال الشيخ :
قد يظلمون رعيتهم ، فيُحمّلونهم ما لا يُطيقون ،
وقد تكون أحكامهم جائرة ،
وقد يتهاونون في تحمل مسؤولياتهم ،
وقد يفشلون في اتخاذ الأسباب التي تحفظ كرامة الأمة ،
وقد يتعاونون مع العدو لضعف يشعرون به أمامه ولا يعملون على الاستعداد له ،
أو يتعاملون مع العدو الذي صنعهم ليخدموه ، وليكونوا أداة القمع والإذلال لشعوبهم ... وهناك عوامل كثيرة – يا بني – تدفع الأمم إلى هذه الثورات .
قال التلميذ :
ولكنّ الشعوب هي التي تختار حكامها ، وكان أولى بها أن تختار من هو أهل لذلك .
قال الشيخ :
صدقت – يا بني – فالاختيار الجيد طريقة سليمة في الوصول إلى سُدّة الحكم ، فاختيار الحاكم يعتمد على أسس سليمة مثل الفهم الواسع ، والأهلية التي يتسم بها مثل : حسن الأخلاق والسيرة والسلوك الطيب ، وعلى رأس ذلك التزامُه بدينه وغَيرتُه عليه ، والعملُ بشريعة الله ، والعدلُ بين الرعية ...
ولكنْ هناك من يَغصب الحكم غصباً ، وهناك من يرثه وليس أهلاً له ، فيستغلون ملكهم ومناصبهم لمآربهم الشخصية معرضين عن مصلحة الوطن والأمة .. وحين تتحرك الجماهير رافضة أمثال هؤلاء معبرة عن غضبها يتشبثون بكراسيّهم وعروشهم بالنار والحديد ، فإذا هَوت العروش من تحتهم ، ومادت الأرض بهم استعانوا بالأعداء ليتمكنوا ، فلا تجد الشعوب بداً من اقتلاعهم ، فتثور عليهم .
قال التلميذ :
أكثر الحكام هذه الأيام من هذا الصنف المخزي - يا سيّدي – ما إنْ يمسكون بمقاليد الأمور حتى يعتقدوا أن الشعوب إنما وُجدت لتخدمهم لا ليخدموها ، فيجمعون الأموال ويتخذون وسائل الراحة لهم ولحاشيتهم وأتباعهم ، ويعتمدون الإذلال والإرهاب سبيلاً لتمكنهم ، واستتباب الأمر لهم ، وينسَون أنهم مسؤولون ، وعلى الله معروضون ، وأمامه محاسبون .
قال الشيخ :
هذا صحيح ... ولكنّ تاريخنا يحفل أيضاً بالخلفاء الراشدين ، والولاة العادلين ، والحكام الناصحين ، والملوك الزاهدين .
قال التلميذ :
أهناك ملوك زاهدون ؟ .
قال الشيخ :
نعم ؛ وما أكثرَهم . بعضهم كان يأكل من عمل يده وكدّ يمينه ، ويتخذ بطانة صالحة تعينه في أمور رعيّته ، ويتابع عن كثب مصالح مملكته ، فيستعمل العاملين المخلصين ، ويعاقب المفسدين ، ويُثْبت في الخدمة النابهين المحسنين ، ويعزل اللاهين العابثين ، ويعاقب الفاسدين .
وهناك من هاب مسؤوليّة الحكم ، ورأى ضعفه عن الاضطلاع بمسؤوليّته ، فتخلّى عنه ، وتنازل عنه لغيره طواعية مخافة الله أن يسأله : لمَ ضيّعْتَ المسلمين ؟.
قال التلميذ :
أفي تاريخنا من فعل ذلك ؟! إني أراهم هذه الأيامَ لا يتركونه إلا إلى القبر أو إلى السجن الطويل .
قال الشيخ:
من أمثالهم خالد بن يزيد بن معاوية الأموي ، وإبراهيم بن أدهم الزاهد اللذان تخليا عن الحكم ورفضاه ... وليس هذا حكراً على المسلمين ، فقد حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن أحد ملوك بني إسرائيل هرب منهم حين أحسّ أنه ليس أهلاً لما اختاروه له .
قال التلميذ :
شوقتني – يا سيدي – أفلا تقص عليّ قصّته ؟!.
قال الشيخ :
حبّاً وكرامة – يا بني – فلا يبلغ العالم الفضل إلا عندما يبذل علمه لمستحقيه .
فقد ذكر ابن مسعود رضي الله عنه أنه سمع من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن بني إسرائيل استخلفوا خليفة عليهم بعد النبي موسى عليه السلام ، فكان هذا الملك رجلاً صالحاً يعمل جهده نهاراً في خدمة رعيّته ، ويقوم الليلَ تعبّداً لله سبحانه وتعالى . فقام مرة يصلي فوق بيت المقدس في ليلة مقمرة ، صفت فيها السماء ، وسبَحتْ فيها أشعّة البدر الفضّية ، وتلألأت النجوم في كبدها ، فازدادت بهاءً وجمالاً ، وبدأ يحاسب نفسه ، ويعرض عليها ما فعل في خدمة دينه و أبناء ملته ، ويقارن بين ما فعله ، وما يستطيع فعله ، وما يجب أن يفعله ، فوجد نفسه مقصّراً في واجباته نحوهم ، ولم يجد الجرأة أن يقول لهم : اختاروا غيري ، فأنا لا أصلح لكم ، فلربّما حسبوا ذلك منه صلاحاً ، فأبَوا عليه رغبته ، وازدادوا به تمسّكاً ، وقد يعتزل في بيته ، فلا يقبلون منه ذلك ، ويصرّون على عودته ، ولا يُفرّطون به ، وقد يخرج عنهم إلى إحدى القرى متعبّداً منعزلاً ، فيتبعونه ، ولا يُقيلونه . .. ماذا يفعل ؟ .. فكّر ، وقلّب الأمور ، فهداه تفكيره إلى الهروب بعيداً حيث لا يعرفه أحد .. ولكنّ الجنود يحيطون به ويحمونه ؛. فإذا خرج خرجوا معه ، وإذا أصرّ أن يمشي وحده تبعوه من بُعد خوفاً عليه ، فلا مجال للهرب من الباب ... نظر حوله ، فرأى حبلاً ، ربطه في سقف المسجد ، وتدلّى على الأرض ، وانطلق دون أن يشعر به أحد .. ولم يكتشف حرسه ما فعل إلا صباحاً حين استأخروه ، فصعدوا سقف المسجد فوجدوا الحبل ، ولم يجدوه ....
أسرع متخفـّياً إلى أن وصل إلى بلدة على شاطئ البحر ، فوجد بعض أهلها يضربون في الرمل لـَبْناً ، فإذا جفّ صار قطعاً صلبة يبنى الناس بها بيوتهم ، فقال لهم : علّموني صنعتكم ، فأعملَ معكم ، فأنا غريب . قالوا : على الرحب والسَّعة ، وصار يعمل معهم ، ويأكل من كسب يده . ..
وأنس الناس به ، إلا أنهم رأوا منه عجباً ، فقد كان إذا حضرت الصلاة قام يصلي ... ماذا يفعل الرجل ؟ ! إنه يقوم بحركات لا يعرفونها ، ويتلو مالا يفهمون ! ..
لم يكن الملك الزاهد يتخفّى حين يصلي ويعبد الله تعالى ، ولم يكن يخجل وهو في بلاد الغربة أن يخالف الناس فيما يعتقدون ! إنه ما ترك المُلْك وهرب منه إلا ليعبد الله عز وجل دون أن يتحمّل – على ضعفه – مسؤولية غيره ، لكنه قويّ في الجهر بعقيدته ودينه ! لا يخاف من أحد .. هو على حق ، وصاحب الحق داعية في خلقه وفي عبادته ، يجهر بها ، ويدعو إليها . لا يخشى مغبّة أمره ، والداعية كتاب مفتوح يقرؤه الجميع ، فيرون فيه الفضيلة والأسوة الحسنة والصواب ، فيتبعونه .
رفع العمال إلى كبيرهم حاكمِ البلدة ما رأوه وما يرونه من هذا الغريب الزاهد المتعبّد ، يصفون له ما يفعله ذلك الرجل الكريم الخُلُق . فأرسل إليه أن يأتيه ، فأبى أن يجيب . طلبه إلى مقابلته مرات ثلاثاً ، فأعرض عن إجابته .
كان عليه - وهو الداعية - أن يلبي طلبه ويعرض عليه دينه ، فعسى أن يدخل فيه ، وكان عليه أن يقابله ويجيب عن أسئلته ، ويوضح له ما استغلق عليه وعلى عمّاله . لكنّ نقطة الضعف فيه ، هذه التي جعلته يهرب من بلده ، وينسلّ مبتعداً عن رعيّته تاركاً واجبه تجاههم بعد أن وثقوا به ، وسنّموه مسؤوليتهم هي التي جعلته يخطئ مرة ثانية فيأبى الذهاب إلى حاكم البلدة .
فماذا يفعل حاكم البلدة العاقل ؟ .. جاء بنفسه .. جاء تحمله دابّته .. فلما رآه الرجل فرّ ، فاتّبعه ، فأسرع هارباً ، فلما سبقه ناداه الحاكم : يا هذا ، انتظر ولا تخف . لا أريد بك سوءاً .. دعني أكلمك ! ..
فلمّا رأى الرجل أنه لا بد من الإجابة توقف حتى كلّمه ، وقصّ عليه خبره ز ولم يُخفِ عنه أنه كان ملكاً ، وأنه فرّ من الله إلى الله خوفاً أن يحمل تـَبـِعَة الحكم الثقيلة ، فهو ليس أهلاً لذلك ، فقد يخطئ ويظلم ، والظلم ظُلُمات يوم القيامة .
وقر في قلب الرجل الآخر ما قاله الأول ، وقال له : إني لأظنني لاحقاً بك ، سائراً على منوالك ،أنا مثلك يا أخي ، شغلتني الدنيا والعمل لها عن عبادة ربي ، فانقطعت لها ، وكدت أنساه ، ما أنت بأحوج إلى ما صنعتَ منّي . ... خذني معك ، فأنا منك وأنت منّي .. لسنا من أهل هذه الدنيا الفانية ، والعاقل يعمل للحياة الباقية .. هناك عند من لا يُخيّب سائله ، ولا يًضَيّع للعبد وسائله ، في كنف الله الكريم ..
نزل الرجل عن دابّته ، تركها لمن يريدُها ، ثم تبع صاحبه الذي رأى فيه الإخلاص لله تعالى ، والحب العميق لما عند الله .. تآخَيا في الله .. والحب في الله .. والتآخي فيه ذروة الإنسانيّة ، وقمّة السموّ ، إن السبب الذي يربطهما خالد أبديّ ، ليس لهوى النفس فيه مكان ... تنقطع جميع الأسباب الدنيَويّة ، ويبقى الحب في الله والأخُوّةُ فيه قوية متصلةً ، دائمة النماء ، يرويها النبع الثـّرّ على مرّ مدى الأيام ..
انطلقا يعبدان الله تعالى ، فعرفا طعم العبوديّة الرائق ، وعاشا في رحابها ما شاء الله لهما أن يعيشا ، وسألا الله تعالى أن يميتهما متجاورَين أخوين في الدنيا والآخرة .
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ماتا برُمَيْلة مصر ، لو كنت هناك لأريتُكم قبرَيْهما ... فقد وصفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكأنني أراهما رأْيَ العين .

رواه الطبراني في المعجم الكبير
ج 1- ص/216 والأوسط ج2ص/ 112
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم

القصة السابعة
الغلام والساحر

دكتور عثمان قدري مكانسي

قال الساحر للملك : يا مولاي كبرت سني ، وقلت حركتي ، وضعفت همتي ، وبت أشعر أنني غير قادر على خدمتك تلك الخدمة التي أرضى عنها ، فابعث غلاماً أعلمه السحر ، وأدرّبه عليه، فيكون في خدمتك .
فاختار الملك غلاماً ذكياً يعلمه الساحر علوم السحر وأفانينه .
كان الغلام يذهب إليه كل يوم يأخذ فنون السحر بشغف ، حتى وثق به الساحر ، وجدّ في تعليمه . ومضت الأيام والغلام منهمك في عمله الجديد ، والملك يسأل الساحر عن تلميذه . فيمدحه هذا : إنه ذكيّ نجيب . إنْ يثابر على همّته وطموحه يكن له شأن عجيب .
حين انطلق الغلام كعادته ذات يوم إلى الساحر ، وكان في الوقت متّسع عرّج على القصر من طريق آخر يسلكه القليل من الناس ، يشرف على وادٍ ذي رياض عامرة ... ما أجمل هذا المكان ؟! ليتني أرتفع إلى الجبل قليلاً فأشرفَ على منظر أجمل وأبهى .. وارتفع ، فصدق حدسُه . إن المكان يبدو أكثر تناسقاً ، وأوضح منظراً .. جال ببصره هنا وهناك ، فرأى كوخاً في زاوية الطريق الملتوي الصاعد إلى القمّة، فحدّثتـْه نفسُه أن يأتيه مستكشفاً .. فماذا يفعل أصحابه بعيداً عن الناس إلا إذا كانوا يحبون العزلة، ويفضّلون الهدوء ! لما وصله رأى فيه رجلاً تبدو عليه سيما الوقار والجلال ، يشخص ببصره إلى السماء يدعو ويبتهل . فدنا منه يصغي إلى دعائه . فسمع قولاً يدل على حبّ وودّ، وذل وخضوع يوجّهه الرجل إلى محبوب لا يراه الغلام ، إنما يأنس إليه ويشعر بوجوده . ..
وحين أنهى الرجل دعاءه التفت إلى الفتى مبتسماً يقول :
أهلاً بك يا بني ، وهداك الله إلى الحق والإيمان .
قال الفتى : أي حقّ وأي إيمان تعنيه يا عمّاه ؟! .
قال الرجل : الإيمان بخالق السموات والأرض ومن فيهنّ ، بارئ النسمة وفالق الحبّة .
قال الفتى : أتقصد الملك ، يا عمّاه ؟.
قال الرجل : حاشاه أن يكون كذلك ، إنه مخلوق ضعيف ، ممن خلقه الله ، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً .
قال الفتى : إن الساحر أخبرني أن الملك إلهنا وخالقنا ، والساحر يعلمني السحر كي اكون في خدمة الملك .
قال الرجل : وهل يحتاج الخالق إلى مخلوقه يا بنيّ ؟! وكيف يكون إلهاً وهو يأكل ويشرب ، وينام ويستيقظ ؟ إنه مثلك ، يا بنيّ . بل أنت أفضل منه ، لأنه يحتاجك ، ولا تحتاجه ، وتخدمه ، ولا يقدّم لك شيئاً .
نزل هذا الكلام في قلب الغلام منزلاً حسناً ، فهو يخاطب الفطرة ويمازج العقل والقلب ، فقال له : علمني يا سيدي مما علمك الله .
فبدأ الراهب العابد يعلمه العقيدة الصحيحة ، ويعرّفه بالله خالق الكون ومدبّر الأمر سبحانه .
وكثر تردد الفتى على الراهب في طريقه إلى الساحر ، فكان إذا تاخر عليه ضربه . فشكا إلى الراهب ما يفعله الساحر به . فقال له : إذا خشيت الساحر فقل : أخّرني أهلي ، وإذا خشيت أهلك فقل : أخّرني الساحر . ..
فبينما الفتى على ذلك إذْ مرّ في طريقه على أناس وقفوا على الطريق لا يتجاوزونه خوفاً من دابّة عظيمة قطعت الطريق ، وحبست الناس . فقال في نفسه : اليوم أعرف آلساحر أفضل أم الراهب أفضل ؟. فأخذ حجراً ، وقال : اللهم ، إن كان أمر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابّة حتى يمضي الناس ؟ فرماها ، فقتلها . ومضى الناس ، فأتى الراهبَ ، فأخبره بما فعل .
قال له الراهب : أي بني ؛ أنت اليوم أفضل مني . فإن كنتَ قد استجاب الله دعاءك فقد قبلك ، وسيبتليك ، ويختبر إيمانك . فإن ابتليتَ فلا تدُلّ عليّ .
وعرف الناس فضل الغلام ، فصاروا يقصدونه ، فيشفي الله على يديه الأكمَهَ والأبرصَ ، ويداوي الناسَ من سائر الأدواء حتى انتشر صيتُه ، وذاع أمرُه بين الناس . فسمع جليسٌ للملك كان قد عميَ بما يفعل الفتى ، فأتاه بهدايا كثيرة ، وقال له :
كلُّ ما بين يديّ من الأموال والهدايا لك ، إنْ شفيتـَني .
قال الغلام : أنا لا أشفي أحداً ، إنما اللهُ الشافي ، فإن آمنْتَ بالله تعالى دعوتُ الله فشفاك ... وهكذا يكون الداعيةُ إلى الله تعالى ، صادقاً مخلصاً لمولاه ، ينسب الخير إليه ، ويدعو العباد إلى الإيمان بربهم ، ويصلهم به . فآمن الرجل بالله ، ودعا الغلام له بالشفاء ، فشفاه الله تعالى لإيمانه به . فجاء الملكَ يجلس إليه كما كان يجلس .
فقال الملك : من ردّ عليكَ بصرَك ؟ ولو كان إلهاً ما سأله هذا السؤال ...
قال الجليس : إنه ربي .
قال الملك المتجبر الضالّ : أَوَلك ربّ غيري ؟!.
قال الرجل بلهجة المؤمن التقيّ : ربّي وربّك الله .
ثارت ثائرة الملك ، إذ كيف يتّخذ الرجلُ ربّاً سواه ؟ بل كيف ينكر ألوهيّة الملك ويقرنه به عبداً لله؟! .. فأخذه ، فلم يزل يعذّبه حتى دلّ على الفتى .
فلمّا مثـُل الفتى بين يدي الملك قال له الملك متعجّباً : أيْ بنيّ قد بلغ من سحرك ما تبرئ به المرضى ، وتفعل العجائب ، وتقدر على مالا يقدر عليه غيرك ؟!
قال الفتى بلهجة الوائق بالله ، المؤمن بربه ، الذي لا يخاف أحداً : إنني لا أشفي أحداً ، إنما يشفي اللهُ تعالى خالق الكون ومدبرُ أمره ، الذي يعلم السرّ وأخفى ، وهو على كل شيء قدير .
غضب الملك ، وهدّده بالعذاب الأليم إنْ لم يرجعْ إلى ما كان عليه ... إلى الضلال بعد الهدى ، والظلام بعد النور ، والسفاهة بعد الحكمة .. فبدأ زبانيته يعذبون الفتى ، علّهم يعرفون من علّمه هذا ، وجرّأه على الملك . فصبر وتحمّل ، فزادوا في تعذيبه حتى انهار ، فدلّ على الراهب ، فجيء به ، وعُذّب ليعود عن دينه ، فأبى . فدعا الملك بالمنشار ، فوضعه في مفرق رأسه ، فشقّه حتى وقع شِقّاه . ثمّ جيء بجليس الملك ، فقيل له : ارجع عن دينك ، فأبى ، فوُضع المنشار في مفرق رأسه ، فشقّه به حتى وقع شِقّاه . ... وطارت روحاهما إلى بارئهما مؤمنتين طاهرتين .
إن المؤمن حين يلامس الإيمانُ شَغاف قلبه لا يأبهُ بالمغريات ، ولا يخاف العذاب ، إنما يبقى ثابتاً ثبات الجبال الرواسي ، صامداً لا يعرف الهلعُ من الموت طريقاً إليه .
وأمر الملك زبانيته أن يجرّوا إليه الغلام مكبّلاً ، ففعلوا . فأمره أن يعود عن دينه إلى عبادته ، فأبى . فهدّده بالويل والثبور وعظائم الأمور ، فازداد إيماناً بربّه وتمسّكاً بدينه .
فلم يأمر بقتله لأنه بحاجة إليه ، فهو الذي يهيئه على يد الساحر ليكون الأداة التي يسحر بها قلوب الأمة ، فيسلب إرادتها ، وتخر له ساجدة تسبح بحمده وتقدس له . . فصمّم على إرهابه وتخويفه ، فقال لبعض جنوده على مسمعٍ من الفتى :
اذهبوا به إلى أعلى جبل في مملكتي ، فاصعدوا به الجبل ، فإذا بلغتم ذروتَه فمروه أن يرجع إلى صوابه! ، فإن أصرّ على عناده فاطرحوه في الوادي السحيق ليكون مزقاً تأكله حشرات الأرض . .. فذهبوا به ، فصعدوا الجبل ، وراودوه عن دينه ، فالتجأ إلى الله تعالى أن يدفع عنه كيدهم . فكانت المفاجأة ُ العجيبة ُ .. لقد لبى الله القادر على كل شيء نداءَه ، فرجف الجبل بهم ، فسقطوا في الهاوية التي خوّفوه بها .. وسلّمه الله .. فجاء يمشي إلى الملك يخبره بنجاته وهلاكهم ، علّه يرعوي عن غيّه ، ويسلّم بالحقيقة ... وأنّى للأعمى أن يُبصر طريقاً ، وللأصمّ أن يسمع حديثاً ؟! .. لقد ركبه الشيطانُ وأقسم ليوردنّه موارد الهلاك ، فدفعه إلى بعض جنوده قائلاً :
لئنْ سلمْتَ من اليابسة إنك لن تسلم من الماء .
وأمرهم أن يأخذوه إلى عرض البحر ، ويراودوه عن دينه ، فإن أبى فلْيطرحوه في الماء مقروناً إلى قطع الحديد تغوص به إلى القاع ، فيكون طعاماً لحيتانه .
ففعلوا . فلمّا توسّطوا البحر خوّفوه ، ورغّبوه ، فلم يُفلحوا معه ، فلمّا همّوا أن يُلقوه في الماء قال : يارب ؛ ليس لي سواك ، فنجّني في الثانية كما نجّيتني في الأولى . .. ويا لروعة النداء! ويا لسرعة الاستجابة ! لقد انكفأت بهم السفينة ، فغرقوا جميعاً إلا الذي أراد الله سبحانه له النجاة .
فجاء يمشي إلى الملك يتحدّاه .
فقال له الملك : أين أصحابك ؟! .
قال الفتى : كفانيهم الله تعالى ، أيها الملك ؛ ما زال في الوقت متّسع ، ورحمة الله قريب من المحسنين ، فكن من المؤمنين ، فما يفيدك جبروتك شيئاً ..
قال الملك : لأقتلنّك أو تعودَ إلى عبادتي .
فلما عرف الفتى أن الملك قد ران الكفر على قلبه ، وملك جوانحه أراد أن يعلّم الناس أن الملك ضعيف مهما تجبر ، وأنه مَهين لا يملك من القوّة الحقيقية شيئاً ، فلجأ إلى طريقة تعرّي الملك ، وتظهره على حقيقته أمام الناس جميعاً في صعيد واحد .
قال : أيها الملك ؛ إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به .
قال الملك : ماهو ؟ .
قال الفتى : تجمع الناس في متسع من الأرض رحبٍ ، وتصلبني على جذع شجرة ، ثم تأخذ سهماً من كنانتي ، ثم تضع السهم وسط القوس ، ثم تصيح بصوت عال يسمعه الجميع : باسم رب هذا الغلام... ثم ارمني ، فإنّك إن فعلْتَ ذلك قتلتَني .
لم ينتبه الملك إلى قصد الفتى من جمع الناس ، إنما كان همّـه قتل الفتى والتخلّص منه .
فجمع الناس يوهمهم أنه قادر على قتل الغلام أمامهم ، وإثباتِ ألوهيّته المهزوزة أمامهم . فقد كثر حديثُهم ولغَـَطُهم ...
وفعل ما أمر به الفتى ، وصاح بأعلى صوته : باسم ربّ الغلام . ثم رماه ، فوقع السهم في صدغه ، فمات الفتى شهيداً ، تصعد روحه إلى السموات العلا .
صاح الناس صيحة واحدة ملأت الآفاق : آمنّا بربّ الغلام . . ودخل الناس في دين الله أفواجاً .
ما هذا ؟! نكون في أمر فتىً واحدٍ ، فيصبح الناسُ كلهم على دينه ؟! .. حسبت أنني تخلصت منه ، فإذا الناس جميعاً يؤمنون بما آمن به ؟ ... احتال عليّ ، فأظهر ضعفي أمامهم ، ووضع من هيبتي في قلوبهم ؟!... لأذيقنّهم الموتَ أهوالاً .. أنا الذي أميت واحيي ... أنا من يأمر فيُطاع... وينهى ، فيُنتهى عما نهى .
وجمع جنودَه ، فأمرهم أن يحفروا الخنادق ،فحفروا . وأن يجمعوا الحطب ، فجمعوا . وأن يوقدوا فيها النيران ، فاوقدوا . فلمّا تأجّجتْ أمر الناس أن يعودوا إلى دينهم ، فأبَوا ... وهل يعود إلى الكفر من ذاق طعم الإيمان ؟! وهل يرجع إلى السفاهة من أوتي الحكمة ؟! لا وألف لا ... إذاً أقحموهم النارَ .. فبدأ الجنودُ يدفعون المؤمنين إليها ... منظر رهيب عجيب .. إن نار الدنيا لأهون من نار الآخرة .. إن لقاء الله خير من الدنيا وما عليها .... جموع المؤمنين تصلى النار غير هيّابة ولا وجلة ، يكبّرون ، ويهللون ، ويقتحمون النار .
وكان فيهم امرأة تحمل وليدها .. يا رب أرمي بنفسي ؟ ...أنا راضية بذلك . ولكن كيف أرمي بولدي ؟! أنا راضية باحتراقي ، ولكنْ ولدي.. وفلذةُ كبدي ! ما أفعل به ؛ يا ربّ ؟ أأرميه في هذا الأتون ؟! .. فأنطق الله وليدها ، فسمعته يقول : يا أماه ؛ اصبري ، فإنك على الحق ... فرمت به ، ورمت بنفسها ، فكانت من الخالدين .
رواه مسلم
رياض الصالحين ، باب النصر
 


قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة الثامنة
" التائب"

دكتور عثمان قدري مكانسي

يا رب ؛ هل من توبة فأتوبَ ؟ هل من عفو فأتعلقَ به ؟ إن ذنبي كبير ، ووزري خطير ، وإثمي جثم على قلبي ، ما من فاحشة إلا ارتكبت ، ولا ظلم إلا فعلت ، ولا كبيرة إلا اجترحت ، وها أنذا أشعر كأن الجبال الرواسي تحطم صدري ، والبحار تفجّر فؤادي ، والندم يأكل قلبي ....
هل من توبة فأتوب ؟ هل من أوبة فأثوب ؟ يا غفار قد لجأت إليك ، وعوّلت عليك ، فلا تردني كسيراً ... أعلم أنني أسأت إلى نفسي وإلى عبادك ، وهل أكبر جرماً من معتد قتل تسعة وتسعين نفساً ؟!. إلا أن رحمتك أكبر ، وعفوك أوسع ، وغفرانك أرحب ، اللهم لا تردني خائباً .. اللهم لا تردني خائباً ...
وانطلق عمّن يبثه سريرة نفسه ، ويعلن التوبة والإنابة إلى الله على يديه . فدلّوه على راهب انقطع إلى صخرة يتبتل في فيئها ، ويعبد الله في ظلها . فباح له بمكنونات نفسه ، واعترف له بما فعل .. لم يكن الراهب سوى عابد جاهل لم يعرف الله حق المعرفة . جهل أن الإنسان إذا جاء بقراب الأرض خطايا نادماً تائباً قبله الله تعالى بملئها عفواً ومغفرة . فقال الراهب للرجل مستعظماً ما فعله بملء فيه : لا توبة لك ، لا توبة لك . ...
واسودت الدنيا بعيني الرجل ، وشعر بالإحباط يشله . ثم حرّكه شيطانه ، فوثب على الراهب فقتله فأكمل به المئة ... ثم ثاب إلى رشده يقول : إنّ من يقتل مئة كمن يقتل تسعة وتسعين ، والتوبة لا تقف عند حد . ..
هل من رجل يتوب على يديه ؟ هل من عالم يروي ظمأه ؟ إنه يبحث عن أعلم أهل الأرض كي يرتاح بمساعدته من وَعثاء الطريق المظلم ، وينتشله من وهدة المفاسد ... فدلوه على رجل عالم آنس منه أذناً صاغية ووجهاً مشرقاً ، وذهناً وقّاداً ، وبصيرة نافذة . ففضفض له عما في نفسه ، وقال له : هل من توبة؟ أيغفر الله لي أفعالي وجرائر أعمالي ؟ أجابه العالم إجابة الواثق مما يقول : نعم ؛ ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ .
قال التائب : يا سيدي إني فعلتُ وفعلتُ .
قال له العالم : إنه سبحانه يفرح بتوبة عبده أشدّ مما يفرح العبد بتوبته .
قال التائب : ولكنني أسرفت في الفساد ، وروّعت العباد ، ولم أترك مَوبقاً إلا أتيته !.
قال العالم : يقول الله تعالى مخاطباً أمثالك " قل : يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ، إنه يغفر الذنوب جميعاً ، إنه هو الغفور الرحيم " لا شيء يحول بينك ، وبين التوبة يا أخي ... أسرعْ إلى الله يسرع إليك . ، واستغفره يغفرْ لك .
لم يتمالك الرجل أن بكى من الفرح . وأي فرح أعظمُ من الرجوع إلى حظيرة التقوى وروضة الإيمان ؟ هنالك حيث تتخلص الأرواح من أدرانها ، وتعيش في طهر الملائك السابحين في ملكوت الله ..
ولكنْ يا أخي – قال العالم للرجل – أنت بحاجة إلى من يشدّ أزرك ، ويأخذ بيدك إلى الخير ، ويدلك على طريقه ، وتلك الأرض التي كنت فيها أرض فساد وشر ، فلا تعُد إليها ، وانطلق إلى أرض كذا وكذا ، فهي عامرة بالحب والتقوى ، وفيها أناس يعبدون الله تعالى ، فاعبد الله معهم ، فمن خالط السعيد سعِد، ومن عاشر المؤمن استقى منه ، إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية . فابحث عن المجتمع المؤمن الطاهر تكن طاهراً ، وابتعد عن المجتمع الفاسد تنجُ منه وتتّقِ شرّه .
انطلق الرجل التائب إلى تلك الأرض بنفس غير التي كانت له ، وروح غير الروح التي كان يحملها ، انطلق بإيمانه الجديد ونفسه الطموح ، وروحه الوثـّابة إلى عالم الأمن والامان ، إلى مجتمع الفضيلة والرشاد ، يسأل الله العون والسداد ، يلهج لسانُه بذكر الله ، وتتحرك جوانحه شوقاً إلى إخوانه في العقيدة .
وانتصف الطريق أو كاد ، ولم يبلغِ الأمل المنشود . كانت نيتُه صحيحة ، ورغبته في الهدى صادقة ، إلا أن الأجل وافاه ، وملك الموت قبض روحه ، ولكل أجل كتاب .
تنازعت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فيه ، كل فريق يريد أخذه .
قالت ملائكة الرحمة : نحن أحق به ، فقد جاء إلى الله تائباً ، مقبلاً بقلبه ، عازماً على فعل الخير ، مصمماً على نسيان ماضيه ، والبدءِ من جديد إنساناً مؤمناً تقيّاً .
قالت ملائكة العذاب : بل نحن أحقّ به ، إنه لم يعمل خيراً قطُّ .
واختصمت فيه ، كل فريق يُدلي بحجته ، ويسعى لأخذه .
وأراد الله عز وجل أن يعلّم ملائكته أولاً ، والناسَ ثانياً إن التوبة إنْ صحّتْ ، والإنابة إن تأكّدَتْ فالعمل تبَعٌ لها ، وكأيّنْ من أناس دخلوا الجنّة ، ولمّا يصلّوا لله ركعة واحدة إذ وافتهم مناياهم ، وقد خضعت قلوبهم لذكر الله ، فآمنوا به ، وأسلموا له .
أراد الله برحمته أن يعرّف عباده أن اللجوء إليه نجاة ٌمن النار ، ويالها من نجاة ! وفوزٌ بالجنه ، وياله من فوز! ، فأرسل ملَكاً في صورة آدميّ - تنويهاً ببني آدم ، وتنبيهاً إلى أنّ منهم من يصلح لأن يفصل بين الملائكة إذا تنازعوا – فحكّموه بينهم ، فقال لهم :
قيسوا ما بين الأرضَين ، فإلى أيتهما كان أقربَ فهو له .
فأوحى الله إلى أرض السوء أن تباعدي . وإلى أرض الخير أن تقرّبي .
فقاسوا ما بينهما ، فوجدوا الرجل التائب أقرب إلى الأرض التي قصدها بشبرواحد! ياسبحان الله ، ويارحمة الله ! ... صدَق اللهَ ، فصَدَقه الله ُ ... صار أقربَ إلى أرض النور والإيمان بفضل الواحد الديّان ... فقبضتْه ملائكة الرحمة .
 

 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة التاسعة
عاقبة السرقة

دكتور عثمان قدري مكانسي

يوشع بن نون نبي من أنبياء بني إسرائيل ،من نسل يوسف ، كان مرافقاً لموسى عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، وهو الفتى الذي صحب موسى لملاقاة الرجل الصالح الذي ذكرت قصتـُه في سورة الكهف " وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقـُباً " .. هذا النبي الكريم خَلَفَ موسى في حمل الأمانة وتبليغ الرسالة .
انطلق هذا النبي الكريم لفتح القدس ، وأراد أن يكون جنودُه من الذين خلّفوا الدنيا وراءهم ، ورغبوا في إرضاء الله تعالى والجهاد في سبيله ، لا يَشغَلُهم عن ذلك شاغل . فمنع عدّة أصناف من بني إسرائيل أن يقاتلوا معه لانشغالهم بالدنيا وزخرفها ..
1- منهم الرجال الذين عقدوا على نساء ، ولم يدخلوا بهنّ . فهؤلاء ينتظرون الفرصة التي يعودون فيها إلى نسائهم . . فقتالهم سيكون إذاً قتالَ مَن يرجو الدنيا ، ويسعى إليها .
2- ومنهم من بنى داراً ، ولمـّا تكتملْ ، فهؤلاء قلوبهم معلّقة بها ، يتمنّون العودة إليها ، يبنون جدرانها ، ويرفعون سقوفها .
3- ومنهم من يمتلك أغناماً ونوقاً حان وقت ولادتها كي تكثـُر وتنمو ، فهم يرصدون الزمن الذين يعودون بعده إلى أموالهم .
هؤلاء الأصنافُ الثلاثةُ لن يبذلوا جهدهم في لقاء العدو وجهادهم إياه . أضعَفَه انشغالُهم بالدنيا ... فليكن الجيشُ - إذاً - جيشاً ربّانياً يبذل النفس رخيصة لله تعالى .
كانت القدس من أحصن المدائن أسواراً ، وأعلاها قصوراً ، وأكثرها أهلاً . فحاصرها ستة أشهر . ثم إنهم أحاطوا بها يوماً إحاطة السوار بالمعصم ، وضربوا الأبواب ، وكبّروا تكبيرة رجل واحد ، فتفسخ سورُها ، وسقط وجبة واحدة ، فدخلوها ، وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم ، وقتلوا اثني عشر ألفاً من الرجال ، وحاربوا ملوكاً كثيرة ، وظهروا على واحد وثلاثين ملكاً من ملوك الشام . وذكروا أنه – يوشع بن نون عليه السلام – انتهى محاصرتـَه لها إلى يوم الجمعة بعد العصر . فلما غربت الشمس أو كادتْ تغرب ، ويدخل عليهم السبت - حيث شُرع لهم أن لا يقاتلوا فيه – قال النبي يوشع للشمس : إنّك مأمورة ، وأنا مأمور ؛ اللهم احبسها عليّ . فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح المدينة ، وأمر القمر فوقف عن الطلوع .... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الشمس لم تُحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس " رواه أحمد .
وجمع يوشع الغنائم كلّها ، فالغنائم – قبل الإسلام – لم تكن تحِلّ للمقاتلين ، بل كان القائد يحرقها كي لا تتعلّق أفئدةٌ المجاهدين بلـَعاع الدنيا وزينتها ، وليكون جهادُهم خالصاً لوجه الله الكريم سبحانه .... وقدّمها للنيران ، فلم تأكلها . فعلم أنّ بعض المقاتلين سرق منها شيئاً ...
فكيف يتوصل النبي الكريم إلى معرفة السارقين ، ونوع المسروق ؟ !
جمع رؤساء القبائل ، وأمرهم بمبايعته على الصدق في الجهاد . فمدوا أيديهم إليه يصافحونه ويبايعون . فلزِقتْ يد رجل بيده ، فقال بلهجة الواثق : فيكم السارق . فيكم أيها الرجل .
فقال الرجل – زعيم قبيلته – ما نفعل يا نبيّ الله ؟
قال : اجمع رجال قبيلتك يبايعونني .
فجمعهم ، وهم لا يدرون سبب تخصيصهم بالمبايعة ... فلما طفِقوا يبايعونه لزِقتْ أيدي رجلين أو ثلاثة بيده ، فقال : أنتم السارقون . هيا أعيدوا ما أخذتموه ... فأخرجوا كميّة من الذهب في صُرّة ، فبدت كأنها رأس بقرة في حجمها .
فوضعوها على المال المجموع ، فأقبلت النار على الغنائم فأحرقتها .

متفق عليه / رياض الصالحين
 


 قصص رواها النبي صلى الله عليه وسلم
القصة العاشرة
التكبر والتواضع

دكتور عثمان قدري مكانسي

ثلاثة من بني إسرائيل رفع كل منهم يديه إلى السماء يدعو الله أن يفرّج عنه ما فيه من مصاب .
أما الأول فكان أبرص ، وأما الثاني فأقرع ، والثالث أعمى .
فأراد الله سبحانه وتعالى أن يختبرهم ، فأرسل إليهم ملَكاً .
- فلمّا جاء الأبرصَ قال : أي شيء أحبّ إليك ؟
قال : لون حسَن ، وجلد حسن، ويذهب عني هذا البرَصُ الذي استقذرني الناسُ له ، فتقزّزتْ نفوسُهم ، وتحاشَوني .. إني لأشعر بالأسى يجرح شعوري ، والخزي ِ يلاحقـُني .
قال الملَك : ألا ترى أن الصبر على ذلك ثوابُه الجنـّة؟
قال : بلى ، ولكنّ العافية أوسع لي .
قال الملك : ولَئِنْ شفاك الله ما أنت صانعٌ؟
قال : الشكرُ لله سبحانه ، ولأكونَـنّ عند حسن ظن ربي بي .
فمسحه الملك ، فذهب عنه قذَرُه ، وانقلب كأحسن ما يكون الرجلُ .. لونٌ حسنٌ ، ومنظرٌ بهِيّ ، وعافيةٌ . .. كل ذلك بإذن الله سبحانه .
ثم قال الملَك : أي المال أحبّ إليك؟
قال : الإبل . ... فأعطاه الملَك ناقةً عُشَراءَ ( حاملاً) ، وقال له : بارك الله لك فيها ...
- وأتى الملَكُ الأقرعَ ، فقال : أي شيء أحبّ لك ؟
قال الأقرعُ : شعر حسنٌ ، فإن ذهاب شعري وتقيّح رأسي نفـّر الناس منّي ، وكرّهني إليهم .
قال الملك : ولكنّ الصبر على هذه البلوى واحتساب الأجر عند الله خير .
قال الأقرع : نعم ، ولكنّ العافية أوسع لي .
قال الملك : ما تصنع إن شفاك الله وجمّلك ؟
قال : الشكرُ لله نُصب عيني ، ولأكونَنّ عند حسن ظن ربي بي .
فمسحه الملَك ، فذهب عنه درَن رأسه بإذن الله تعالى ، وكُسِيَ شعراً جميلاً أظهر حُسنَه ، فامتلأ سعادة .
ثمّ قال الملك : أيّ المال أحبّ إليك ؟
قال الرجل : أحبّ البقر . ... فأعطاه الملك بقرةً حاملاً ، وقال له : بارك الله لك فيها ...
- وأتى الملك ثالثهم – الأعمى - ، فقال : أيّ شيء أحبّ لك ؟
قال الأعمى : أن يرد الله عليّ بصري ، فأبصر كما يبصر الناس .
قال الملك : ألست معي أن الابتلاء مع الصبر يرفع درجات المؤمن في الجنّة ؟!
قال الأعمى : بلى ، لست أنكر ذلك ، ولكنني أتحاشى الناس كي لا يقعوا منّي على ما يكرّههم فيّ ، وأرجو ربي أن يعينني على شكره .
فمسحه الملك ، فردّ الله عليه بصره . ثم قال له : أيّ المال أحبّ إليك ؟
قال : الغنم ... فأعطاه الملك شاة والداً ، وقال له : بارك الله لك فيها ...
فأنتج الأول إبِلاً كثيرة ملأت الوادي .
وأنتج الثاني بقراً كثيراً ملأ الوادي .
وولد الغنم ، فكان له منها وادٍ ممتلئ.
مرّت الأيامُ ، وعاش هؤلاء الثلاثة في رغَدٍ من العيش وبُحبوحة . وعادوا في الناس كأحسن ما يكون الرجل في أهله وعشيرته ، وكان لهم في أقوامهم ومعارفهم العزُّ والسؤدُدُ ...
وحان وقتُ الاختبار ... ألمْ يدّعِ كل منهم أن يكون لله عبداً شكوراً ؟ وأن يحسن إلى الفقراء والمرضى وأبناء السبيل وأهل الحاجة ، وأن لا يرد أحداً قصَدَه ؟ وأن يكون عند حسن ظن ربه به ؟ والسعيدُ من صدَق اللهَ وعدَه.
جاء الملك إلى من كان أبرص فشفاه الله ... جاءه على هيئته يوم كان أبرص تكره العينان رؤيته .
فقال : رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلن أصل إلى أهلي وبلدي إلا بفضل الله ، ثم بجودك وكرمك .. أرجو أن تهبني جملاً يبلّغني الأهل والبلد .
قال : كنت أود أن أعطيك ، ولكنني لا أستطيع لكثرة حقوق الناس عليّ وضيق يدي .
قال الملك : أسألك بالله الذي أعطاك اللون الحسن ، والجلد الحسن ، والمال الوافر أن لا تبخل عليّ ، وأن تكرمني كما أكرمك الله .
قال : لا تُكثر المسألة أيها الرجل ، هيا اغرب عن وجهي .
قال الملك – وهو ما يزال على هيئة الأبرص – يذكّره بما كان عليه ، علّه يرعوي ، فيفي اللهَ ما وعده : كأني أعرفك ؛ ألم تكن أبرص يقذرك الناس فجمّلك الله ؟ وفقيراً ، فأغناك الله ؟
قال الرجل منكراً ذلك جاحداً نعمة الله وفضله : لم أكن كما تدّعي - أيها الأفـّاك - إنما ورثت المال عن آبائي العظام وأجدادي الكرام ، كابراً عن كابر .
وهنا قال الملك بعد أن ذكـّر فأعذر : إن كنت كاذباً فإني أسأل الله أن تعود كما كنت .
وفجأة عاد الرجل – كما كان - أبرص كريه المنظر .. لم يف ما قطع على نفسه لله من عهد ، فعاد سيرته الأولى جزاء غدره وإخلافه .
وأتى الملك من كان أقرع على هيئته وصورته ، فقال له مثل ما قال لسابقه . فردّ عليه بمثل ما ردّ الأبرصُ عليه . فدعا الملك عليه أن يعود أقرع كما كان يقذره الناس ويتحاشونه ، فعاد المسكين كما كان جزاء وفاقاً .. لم يحفظ نعمة الله عليه بالشكر وأداء الحقوق .
وجاء الملك إلى من كان أعمى على هيئته وصورته السابقة فقال :
رجل مسكين ، وابن سبيل ، انقطعت بي السبل في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك . أسألك بالذي ردّ عليك بصرك ، ورزقك من فضله العميم شاةً أتبلغ بها في سفري .
نظر الرجل إليه في ضعفه وفقره فأشفق عليه ، وتذكر ما كان هو عليه من هذا الضعف وقلة الحيلة ، فحمد الله تعالى على لطفه فيه .. وبالشكر تدوم النعم .
ثم قال له : صدقت فيما قلت يا أخا الإيمان ، لقد كنتُ كما قلتَ . وقد ردّ الله عليّ بصري ، وأكرمني فرزقني ، وأقسمت لأكوننّ من الشاكرين ؛ فخذ ما شئت من الغنم ، وما رغبتَ من المال ، ولن أمنعك ذلك ، فلله المنّة أولاً وآخراً .
قال الملك : أمسك عليك مالك ، بارك الله لك فيه ، إنما اختبرك الله وصاحبيك ، فرضي عنك وسخط عليهما .
متفق عليه / رياض الصالحين .

آخر المواضيع



أذكر الله



تابعني في Google+

قصص الأنبياء والرسل





الخلفاء الراشدين

المقدمة

 لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد: تتناول هذه الدراسة موضوعًا شائكًا في التاريخ الإسلامي المبكر، يعد من أهم الموضوعات في مجال البحث العلمي >>>>>>>>

أبو بكر الصديق رضي الله عنه

هو عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن كعب التيمي القرشي ، ولد بمكة ونشأ سيداً من سادات قريش ومحيطاً بأنساب القبائل وأخبارها . وكانت العرب تلقبه بعالم قريش ، حرم على نفسه الخمر في الجاهلية فلم يشربها . اشتغل بالتجارة وجمع ثروة كبيرة صار بها من أثرياء قريش

   الجزء 1  الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5

عمر بن الخطاب رضي الله عنه

هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشى العدوي . ثانى الخلفاء الراشدين وأول من لقب بأمير المؤمنين . كان فى الجاهلية من أبطال قريش وأشرافهم وله السفارة فيهم ، ينافر عنهم وينذر من أرادوا إنذاره. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو قائلاً : اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك ( عمر بن الخطاب أو أبى جهل )

  الجزء 1  الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7

عثمان بن عفان رضي الله عنه

هو أبو عبد الله عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية القرشى الأموى أمير المؤمنين . ذو النورين ثالث الخلفاء الراشدين وأحد المبشرين بالجنة ورابع من دخل فى الإسلام . زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته رقية ، وهاجرت معه إلى الحبشة الهجرتين ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة .

الجزء 1  الجزء 2 الجزء3 

على بن أبى طالب رضي الله عنه

هو أبو الحسن علي بن أبى طالب بن عبد المطلب الهاشمى القرشى . أمير المؤمنين ، رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة وابن عم النبى صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته فاطمة الزهراء ووالد الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة

  الجزء 1  الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5



الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى

الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى
يقول الأستاذ الدكتور/ وهبة الزحيلي: ولقد بدأت نواة المذاهب في عصر الصحابة.... فكان - مثلاً - مذهب عائشة،

الامام مالك بن أنس رحمه الله
اجتمعت الأسرة الصغيرة ذات مساء. كما تعودت بعد كل صلاة عشاء. تتذاكر أمور الحياة والدين فيحكي الأب عما صادفه وجه النهار في متجره الصغيرة الذي يبيع فيه الحرير، وعما

الإمام الشافعي رحمه الله
على الرغم من أن الإمام الشافعي لم يكن قاضيا في مصر قط، فإن أهل مصر يسمونه "قاضي الشريعة" .. ومازال العديد من أصحاب الحاجات الذين لم ينالوا حظا من التعليم

الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله
صامت يطيل السكوت والتأمل، حزين يكاد لا يبتسم، وفي وجهه مع ذلك البشاشة وعلى قسامته الرضا، لا يتكلم إلا إذا سئل فلا يبتدر أحدا بحديث .. حتى إذا جلس

الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله
فالإمام أبو حنيفة النعمان قيل عنه: ((من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عالة على أبي حنيفة)) يعني أنّ أبا حنيفة يقع في قمة الفقهاء، ليس غريباً: أن نرى أن مذهبه انتشر

الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله
فالإمام أبو حنيفة النعمان قيل عنه: ((من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عالة على أبي حنيفة)) يعني أنّ أبا حنيفة يقع في قمة الفقهاء، ليس غريباً: أن نرى أن مذهبه انتشر